تاريخ النشر: 2017-03-16 | 06:48
تاريخ النشر: 2017-03-16 | 06:48
لم يظن كثيرون أن سورية تكتنز من القوة الذاتية ما يكفي لتفتيت كل الهجمات الضارية التي استهدفتها من كل جهات الارض ويشتت مراميها.. فبعد ست سنوات قاسية استهدفت كل عناصر الحياة تبدو الهجمة في انكفاءتها المدوية تسير نحو الانخماد والموت..
قتل مئات الاف السوريين وشرد ملايين منهم ودمرت مدن وقرى كما فتك العدوان باقتصاد البلاد حيث سجلت ارقام وضعية كارثية فيكفي ان نعلم ان 100 مليار دولار هي خسارة القطاع الصناعي في سورية وان ملايين الاطفال حرموا من الدراسة خمس سنوات متلاحقة وان البيئة اصابها ما اصابها من تخريب على كل المستويات وكان دوامات من النار الملتهبة تلف المكان كله.. الا ان سورية كانت عصية على التقسيم والانهيار وواجهت مئات الاف المقاتلين المتمرسين والمدربين على احدث انواع الاسلحة والجالببين معهم خبرات قتالية فائقة من اكثر من 90 دولة تحركهم دوافع عقائدية قتالية تجعل من الموت اسهل السبل وايسرها امامهم الامر الذي افقد العقل والمنطق القدرة في معالجة الامر.
واستولى المسلحون القادمون من بلاد الدنيا كلها على اكثر من 80 بالمئة من مدن سورية الرئيسية واستولوا على كل الارياف وكل المناطق النائية ولم يبق امامهم الا دمشق التي حاصروها من كل اتجاه وشدوا عليها الخناق و فقدت الدولة قدرتها على ادارة الاوضاع في معظم البلاد الا انه لابد من تسجيل نقاط حساسة للغاية ان الدولة بكل مؤسساتها لم تسجل أي انهيار فظل السلك الدبلوماسي يعمل بنفس كفاءته وكذلك المؤسسة الامنية والادارية الحكومية وصمدت الدولة صمودا كبيرا فيما هي ترى كيف انفتحت كل حدودها لتدفق المسلحين عبر كل العواصم المجاورة الاردن وتركيا والعراق ولبنان صمدت وهي تتلقى الانباء ليل نهار عن قيام حكام الخليج بضخ مليارات الدولارات على الحرب المستعرة في سورية وان الصديق والاخ يقف جبانا غير قادر على اتخاذ موقف نصرة لبلد كانت نصرة وملجأ لجميع العرب والمسلمين واتسعت الى ملايين المهجرين من لبنانيين وعراقيين وفلسطينيين و قبل ذلك الى الارمن والجزائريين.. لقد كان دوي الحرب اكثر ارهاقا من الحرب نفسها الا ان الدولة السورية كانت من التماسك الى الدرجة التي اقنعت حلفاءها انها اهل لتكون قاعدة انطلاق لمواجهة المخطط الامريكي والغربي الذي لا تقف حدوده عن مدن سورية بل يمتد الى تركيع المنطقة واعادة تقسيمها والقضاء على أي محاولة مقاومة لتمدد الكيان الصهيوني و التقدم لاسقاط الدلو ةلاروسية بتفكيكها بعد ان يتم تحويل قدرتها النفطية هباءا منثورا.. وجد الحلفاء المتضررين حتما من احتمال نجاح المخطط الامريكي في صمود الدولة السورية وارداتها على البقاء فرصتهم التاريخية في تأمين دولهم ومشاريعهم فكان وقوف ايران وروسيا وبعدهما الصين عبارة عن انقاذ لايران وروسيا من مخطط يسعى لاحتوائهما في برنامج تخريب منظم.
لم يكن المنطق والتحليل ذا قيمة في تفسير ما يحصل لانه جزء من التحولات التاريخية التي يكون لقوة التيار طغيانا يعطي على محاولات التفهم.. وكان من الصعب الى درجة كبيرة افهام الكثيرين من ابناء الامة من مثقفين ومهمومين وبسطاء ان المعركة ليست ضد الطغيان والتفرد بالسلطة والديكتاتورية و تسلط اجهزة الامن كان الاصعب الحديث حول قضايا لها علاقة بحقوق الانسان من عدمها فالمعركة لا تقع في هذه الدوائر.. فمع كل اهمية كل هذه الدوائر وضرورة ابداء الراي فيها والانحياز الى حقوق الناس على راضيتها الا اننا لابد من التركيز على مساحات الاشتباك الحقيقية التي يعمل المتنفذون من اصحاب المال والسياسة والامن على حسمها لصالحهم على حساب مصالح الناس وحقوقهم التي لاتقع في دائرة اهتمام المخططين والمنفذين سواء.. كان من الضروري ادراك ان الطغيان حليف طبيعي للعدو الخارجي ومن الضروري ادراك ان الفساد المالي والسياسي حليف وثيق للمستعمرين الاجانب وهذا ما نراه جهارا نهارا بين انظمة لاتؤمن بكثير من حقوق الانسان والمراة وحرية الصحافة والراي والادارات الغربية.. فالموضوع لدى الغربيين فقط له علاقة بمن يقف امام مخططهم ومصالحهم المتطورة لايهمهم علماني ولا متدين او ديكتاتوري وديمقراطي ولا يهمهم حكم ورائي او انتخابي .. الذي يهمهم فقط من يقف معهم في المرحلة المعينة لتنفيذ حلقة من حلقات مخططهم وقد يتخلصون منه بعد ادائه المهمة المنوطة به.
صمدت الدولة السورية وها هي تستعيد اراضيها وقد ارجعت كل مدنها الاساسية الى حمى الدولة وتكون قد امنت كثيرا من مواقعها الاستراتيجية لاسيما الطاقة والمياه والطرق والمطارات.. ورغم تعرضها لاحتلال تركي امريكي في بعض النواحي الا انه يمكن تسجيل انكسار موجة الاندفاع المسلح من داعش والنصرة بعد ان تم بالفعل انشقاق طبيعي بين المسلحين السوريين المعارضين والمسلحين الاجانب.. وها هي المفاوضات في استنة وجنيف تتجه للاقرار بابجديات العملية السياسية التي تعزز في مجملها وجود الدولة ودورها وابتعاد أي اختلال في هيبتها.
وفي ربع الساعة الاخير هذا تمتد الالسنة الشرهة ولعابها يسيل علها تحصل على بعض من نتيجة النصر الكبير على الارهاب كما تريد ان تؤمن نفسها من نتائج الانتصار التي ستطال الجميع بلاشك.. فتركيا تريد ترسيم وجود لها في المشهد وهي ترى مآلاته فتعيش حالة ارتباك غريبة اقليما ومحليا وكذلك هو شأن الامريكان.. اما حكام العرب الذين خسروا مئات مليارات الدولارات فهم يختبئون الان خلف وفود المعارضة المتناحرة المهزومة علهم يوجدوا لهم مقعدا في قطار التسوية..
الان بتوسيع رقعة التحليل لابد من الاشارة الى اندحار سطوة داعش عن الموصل وتمدد سلطة الحكومة العراقية على معظم التراب العراقي الامر الذي يعني تاريخيا توفير الحماية الاستراتيجية لسورية.. فسواء صرح السوريون ام ل ميصرحوا فان عمقم الاستراتيجي ومامنهم الحقيقي يكمن في العراق ولا احد يستطيع النهوض بهذه المهمة مهما كانت نواياه وقدراته..وهذا يعني بوضوح ان الدولة السورية فيما هي تنهي جولاتها الحاسمة مع المسلحين ياتيه المدد المعنوي عارما من العراق في انتظار مشاركة عراقية فاعلة في مداواة الوضع السورية ورفده بقوة لدمل الجراح وتقوية العود.
في ربع الساعة الاخير يتهيأ السوريون لاعادة اعمار مدنهم ومصانعهم واستعادة المهجرين وترسيخ نظام يوسع للتعددية والحريات السياسية والفكرية وينشط للاستفادة من الماساة باعادة التقييم والبناء على ارضيات حقيقية.. والسوريون قادرون على استعادة عمرانهم فهم اهل لذلك باسرع مما يتوقع الجميع وان كان الاهم من كل ذلك هو بناء الثقة وترسيخ حقوق الانسان والحريات والسلام الاجتماعي وتقوية الدولة بما هو حقيقي لمواجهة التحديات الخطيرة التي لن تموت لكون سورية تتبوأ الموقع الاستراتيجي الحساس الخطير.. تولانا الله برحمته.