تاريخ النشر: 2016-02-01 | 18:54
تاريخ النشر: 2016-02-01 | 18:54
استيقظ صباح كل يوم اتأمل في المرآة ملياً، اجتهد في تهذيب لحيتي وعدم اطالتها اكثر من "المسموح"، فأنا ارهابي مفترض على هذه الارض اللبنانية ولا يجب ان اساهم في تأكيد هذه الظنون. امضي الى عملي في احدى ضواحي بيروت والاسئلة نفسها تصدح في رأسي: ألست انا نفس الفدائي "العسكري" الذي رفع على الاكتاف خلال الاجتياح وهو يمتشق سلاحه عالياً؟، كيف اليوم وأنا لاجئ "مدني" احمل بطاقة "الاونروا" اصبحت تكفيري حاقد يجب مراقبته والاقتصاص منه متى امكن؟ كيف تحولت بسحر ساحر الى ظلاميّ يريد الغدر بشعب وقف الى جانبه؟
اسئلتي الكثيرة تتكشف اجوبتها جميعا من خلال متابعة التغطية الاعلامية لاي حدث امني يصيب لبنان، حيث تبدأ بعض القنوات والمواقع الاخبارية، عن قصد او غير قصد، ببث اخبار تتحدث عن بصمات فلسطينية في هذا التفجير او ذاك الهجوم، كيف لا وخطر الغريب – الفلسطيني – يحقق نسب عالية من المشاهدة و "السكوبات" الاخبارية، خاصة في مجتمع لا تزال ترسبات ستة وعشرين عاما من حرب اهلية، كان سمتها الابرز القتل على الهوية، تهيمن على منطق الكثيرين فيه.
ولا يمكن للقارئ ان لا يتغافل عن القصة "الهوليودية" لاكتشاف نفق تحت الارض ممتد بين مخيمي صبرا وبرج البراجنة، بل ووصل البعض الى الاعلان عن مصادرة آلة الحفر، واعتقال انتحاريين داخله.
هذا ليس الخبر الوحيد اذ انه لا يمر حدث في لبنان الا ويعمد بعض الاطراف الى زج الفلسطيني فيها، آخرها اعلان تنظيم "داعش" وجود انتحاريين اثنين ضمن منفذي هجوم برج البراجنة الارهابي، وهو اعلان تلفقته بعض الوسائل الاعلامية برحابة صدر وقامت بنشره دون مراعاة لادنى معايير المهنية وهي التحقق من المصدر وصحة الخبر، كيف لا والفلسطيني مذنب حتى تثبت برائته!
محاولات شيطنة الفلسطيني تجد صداها الكبير في ازقة وحارات البلاد على اختلاف مشاربها، ويكفي نقاش صغير لتبيان مدى الكراهية او التخوف او التخوين او غيرها الكثير من الصفات السلبية التي يوصف بها اللاجئ، ولا بد لي ان استحضر نقاشا سريعا دار مع احد الاشخاص "المثقفين" الذي استدل بجنسية احد انتحاريي الهجوم على السفارة الايرانية في تشرين الثاني عام 2013 للتأكيد على الخطر الفلسطيني، متناسيا ان شريكه في الانتحار لبناني، ورغم ان المنطق يرفض تحميل شعب بأكمله وزر شخص واحد.
هذه الحالة التي وصل اليها اللاجئ الفلسطيني في لبنان من تهم عشوائية الى نظرات ارتياب تلاحقه في الشوارع وعند حواجز امنية يعلم مسبقا انه سيضطر للوقوف عندها والتعرض للتفتيش الدقيق واحيانا للاهانة مجرد ابرازه تلك الهوية الزرقاء التي تحولت الى "وصمة عار" تلازمه طيلة الوقت، في صورة مشابهة لايام الكنيسة الكاثوليكية خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر في اوروبا حيث كانت تعمل محاكم التفتيش على البحث عن معارضي الكنيسة واعدامهم بهم تحت تهم جاهزة كالهرطقة والسحر والشعوذة، الا ان بعض الاعلام اللبناني في يومنا هذا يطارد الفلسطينيين لاعدامهم معنويا عبر الصاق صفة التكفير بصغيرهم قبل الكبير ورميهم لتحمل تداعياتها في البيت وسوق العمل والشارع.
افكاري المتلاحقة قطعها صوت سائق التكسي وهو يعلمني بالوصول الى مكاني المنشود لاترجل من المركبة وانا اراقب ملامحي في زجاج السيارات، اتحسس ذقني قليلا واتوجه الى عملي ووجهي تعلوه ابتسامة "ارهابية" ساخرة.