تاريخ النشر: 2016-01-09 | 11:30
تاريخ النشر: 2016-01-09 | 11:30
تتعرض الاراضي الفلسطينية المحتلة بالصفة العامة قطاع غزة تحديدا الى تحديات كبيرة ومشاكل تتفاقم يوما بعد يوم بسبب الاحتلال الطويل وممارساته العديدة ضد الارض والسكان والتي تمنع اي تطور اقتصادي او اجتماعي مستقل وتعمل على انحباس كل امكانيات التقدم الى الامام.
ان الاحتلال والحصار الاسرائيلي والحروب المتتالية التي تشن على المدنيين واراضيهم وبيوتهم والمؤسسات التي تخدمهم، هي السبب المباشر والارضية الخصبة لما يعاني منه السكان من فقر ، حيث ارتفعت معدلاته ووصلت الى ٦٥% من المواطنين، منهم 22.4% يعانون من الفقر المدقع. كما تجاوزت معدلات البطالة في القطاع ال ٦٠% بواقع أكثر من 230 الف شخص عاطل عن العمل، بالإضافة الى أكثر من 700 الف مواطن فقدوا دخلهم اليومي. هذا ادى الى ارتفاع معدلات اعتماد الاسر الفقيرة على المؤسسات الدولية والجمعيات الخيرية حيث يبلغ عدد الاسر التي تحصل على دفعة مالية كل ثلاثة شهور من خلال وزارة الشؤون الاجتماعية حوالي 114 الف أسرة، منها 68,853 أسرة في قطاع غزة.
كما ان ارتفاع معدل الإعالة العمرية التي تصل الى ٧٧٪ وهي عبارة عن "نسبة الأشخاص المعالين - الذين تقل أعمارهم عن 15 سنة أو أكبر من 64 - إلى السكان في سن العمل - في الشريحة العمرية 15 - 64 عاما تؤثر مباشرة على ارتفاع معدلات الفقر.
ان كل العوامل السابقة لها تأثير مباشر على انخفاض معدلات الزواج التي انخفضت بواقع ١٥٠٠ حالة مقارنة بالعام الماضي، كما صرح بذلك الدكتور حسن جوجو رئيس المجلس الأعلى للقضاء الشرعي، كما بين ان معدلات الطلاق قد سجلت اعلى معدلاتها في عام ٢٠١٥ وزادت بحوالي ١٪ مقارنة بالعام الماضي، حيث كان معدل الطلاق في عام ٢٠١٤ ١٧.٩٪. هذا بالإضافة الى ارتفاع معدلات الطلاق قبل الدخول الى اكثر من ٤٠٪ من مجموع حالات الطلاق، والذي قد يكون في جانب منه بسبب ارتفاع معدلات الزواج المبكر.
ان هذه العوامل مجتمعة تؤدي الى زيادة معدلات العنوسة بين الجنسين وخاصة بين الاناث حيث يوجد ١٢٥ الف فتاة عانس كما تقول بعض الاحصائيات.
ان ارتفاع معدلات الطلاق بين المتزوجين بالصفة العامة وبين الشباب خاصة دفع العديد من المهتمين الى تفكير في معالجة هذه القضية الهامة، التي لها تأثير على بناء اسرة مستقرة نفسيا واجتماعيا، ولها تأثير على تربية النشأ الجديد وعدم تركه فريسة للشارع وصحبة السوء، من خلال طرح اهمية تثقيف الشباب المقبلين على الزواج واعطائهم رخصة لقيادة الاسرة، اسوة بالشهادة التي يحصل عليها الازواج وتثبت انهم خاليين او على الاقل احدهما من الكرموزمات الحاملة لمرض الثلاسيما، فهل تحل هذه الرخصة مشكلة الطلاق وارتفاع معدلاته بين الازواج الشباب، وهل القضية قضية نقص معرفة الازواج بحقوقهم ووجباتهم.
ان المعرفة والتثقيف يلعبا دورا هام في تعديل سلوك الافراد والمجتمعات وغرس القيم الايجابية والممارسات السليمة بين الافراد والجماعات. ان المعرفة والمعلومات متوفرة في هذه الايام خاصة بين الشباب، خاصة وان معظمهم من الجامعيين الذين لهم علاقة بوسائل المعرفة الحديثة، كما انهم يحصلون على هذه المعرفة من خلال دراستهم الثانوية والجامعية ومن خلال ما يتلقونه من وعظ في صلاتهم. ان للطلاق اسباب عديدة، بالإضافة للأسباب الرئيسية التي ذكرناها سابقا من بطالة وفقر وحصار، لعل اهمها:
اولا: ارتفاع المهور
ان ارتفاع المهور وتكلفة الزواج والتي تصل في حدها الادنى الى عشرة الاف دينار بين الاسر المستورة، يضع الاسرة والعريس الجديد الذي لم يعمل بعد ولم يدخر شيئا من هذه التكاليف المرتفعة، يضع الجميع تحت ضغط نفسي ويزيد من تبعية هذا العريس لوالده ويضعه تحت ضغط الاستجابة لشروط حياة والده، الذي لم يتكفل بزواجه فقط بل ويصبح المسؤول ايضا عن اعالته واعالة زوجته واطفاله.
ان هذه هي الاسباب الحقيقية التي تؤدي الى كثير من مشاكل الازواج الشباب، حيث تسمح هذه الظروف المعقدة، للوالدين واحيانا للاخوة والاخوات، للتدخل في حياة الازواج الشابة، وتنغيص معيشتهم، ومحاولة فرض انماط المعيشة القديمة والمفاهيم البالية الى عاشها الوالدين، من تبعية زائدة وعدم احترام خصوصية الافراد والاعتراف بمقدرتهم على تسيير شؤون حياتهم بطريقة مستقلة.
ثانيا: السكن المشترك
ان واحدا من الدوافع الاساسية التي تدفع الاباء لتزويج ابنائهم الشباب هو حمايتهم من اوضاعهم البائسة ومن الشارع وصحبة السوء، من اجل الحفاظ على نفسياتهم المحطمة بسبب البطالة وعدم العمل، معتقدين ان الزوجة والزواج ومن بعده الاطفال، سيكون له تأثيرا كبيرا في تحسين معنويات هؤلاء الابناء. فيتم زج هذه الاسرة الجديدة في واحدة من غرف البيت القليلة، بسبب نقص المباني حيث يحتاج قطاع غزة لأكثر من 250 ألف وحدة سكنية بعد العدوان الأخير، وفقاً لإحصائيات وزارة الأشغال العامة والإسكان، والتي لفتت أن عملية إعادة إعمار قطاع غزة تسير بشكل بطيء، وأنها بحاجة إلى جهد أكبر، موضحاً أن آلاف الأسر تنتظر عملية إعادة الإعمار لإيجاد المأوى.
ان نقص السكن المستقل يفرض شروطا قاسية على الزوجين الجديدين، وهذا يؤدي الى التدخل المباشر في كل شؤونهم الخاصة، وملاحظة كل شاردة وواردة بينهم، وتأجيج كل مشكلة صغيرة تقع بينهم، وعدم اعطائهم فرصة لتدبير مشاكلهم وقضاياهم الخاصة. هنا تسقط كل التوقعات وتنهار كل الاحلام الوردية التي حلم بها العريس والعروس وتصطدم بواقع وشروط الحياة القاسية في اسرة كبيرة وفقيرة وممتدة.
ان عدم مقدرة الزوجين الجديدين على بدء حياتهما في بيت صغير مستقل، وعدم توفر فرصة عمل تساعدهما على تسديد الديون التي تراكمت عليهما وعلى اسرة العريس بسب ارتفاع المهور وتكلفة الزواج المبالغ فيها، هي المدخل لبدء الكثير من المشاكل الصغيرة التي تتراكم وتتفاقم، مما يؤدي الى فقدانهم الاحساس بمتعة الزواج، والشعور بانهم غير اكفاء لهذا الزواج، وغير قادرين على العيش بطريقة مستقلة من عملهم ومن تعب ايديهم.
ان تثقيف الشباب قبل الزواج هو خطوة هامة ولكنها لا تكفي لوحدها لحل المشاكل الاجتماعية التي يتعرض لها الشباب، كما ان هذا التثقيف ان حصل يجب ان يرتكز على مؤسسات لها خبرة ودراية علمية بقضايا الشباب واحتياجاتهم لتطوير معارفهم حول الصحة الانجابية والجنسية والنفسية، وتحسين مهاراتهم العملية في ادارة شؤون العائلة وحل المشاكل التي تواجههم، هذا بالإضافة الى تعريفهم بحقوقهم وواجباتهم الشرعية تجاه الزواج والشريك والاسرة، لذلك لا يمكن ان تترك هذه القضية الهامة للمحاكم الشرعية او ما شابه ذلك، لقصور هذه المحاكم وعدم مقدرتها العلمية والعملية على مواجهة هذه القضية الهامة. ان هذه القضية الهامة يجب تناولها بعيدا عن موضوعة الرخصة والترخيص، لما لهذه المعاني من سلبيات في عقلية ابناء القطاع!