عقدت حكومة الوفاق الوطني الفلسطيني اجتماعها الأول منذ تشكيلها في قطاع غزة, بعد أن تمكنت من الحصول على التصاريح الخاصة بدخول قطاع غزة, واستطاعت لأول مرة أن تعقد اجتماعها بكامل الوزراء, بعد أن استطاعت كافة الجهود المبذولة رأب الخلاف الذي شاب الأجواء التصالحية بين حركة فتح وحماس, على خلفية المواقف التي برزت ونشبت بعد أن شُكلت حكومة الوفاق الوطني الفلسطيني, حول الكثير من القضايا والملفات محل الخلاف وقيد الدراسة, أبرزها ملف موظفي قطاع غزة والرواتب, وبسط الحكومة نفوذها وسيطرتها التام على قطاع غزة كما الضفة الغربية, ووحدة المرجعية.
لقد قوبلت الحكومة بالترحيب من كافة أطياف الشعب الفلسطيني, وكافة الفصائل الوطنية والاسلامية الفلسطينية, وحظيت بحسن الاستقبال والضيافة, فهي بين أهلها وشعبها في الشق الثاني من الوطن, فالحكومة هي حكومة الكل الوطني الفلسطيني, وهي مُسخرة لخدمة كافة شرائح الشعب دون تمييز وبشكل عادل وقانوني, ودون تفرقة بين شخص وآخر.
إن انعقاد اجتماع الحكومة في قطاع غزة, لم يكن كباقي الاجتماعات التي عُقدت سابقاً, فيمكن القول بأنه اجتماع غلب عليه الطابع الوحدوي بالدرجة الأولى وبامتياز, إلى جانب مناقشة بعض الملفات الخاصة بقطاع غزة, كملف اعادة الاعمار, وملف الموظفين والرواتب, والاعلان عن استلام الهيئة المدنية ادارة المعابر بين قطاع غزة وإسرائيل, فقد رسخ معنى الوحدة الوطنية.
إن زيارة واجتماع الحكومة في قطاع غزة بكافة وزرائها, في الطريق الصحيح, بعد انقسام استمر لسنوات سبع, انعكست آثاره على كافة مناحي الحياة, فهذا الاجتماع حمل في مضمونه عدة رسائل موجهة للداخل والخارج, فقد أرادت الحكومة أن توصل رسالة لكافة مكونات الشعب الفلسطيني وكافة القوى السياسية والاجتماعية في فلسطين بأن الانقسام بين شقي الوطن قد انتهى دون رجعة, وأن الوحدة الوطنية والشراكة السياسية هي السبيل الوحيد لتحقيق كافة الحقوق الوطنية, وأن الحوار والتشاور والالتقاء أقصر الطرق لحل أي خلاف قد ينشب في المستقبل, وأن الانقسام كان كارثياً بتداعياته على كافة الجوانب السياسية والاجتماعية والاقتصادية, وعلى الجميع الاسراع في تنفيذ ما تم التوافق عليه في اتفاق القاهرة, وأمام كل التضحيات التي قدمها أبناء الشعب الفلسطيني, وأمام حجم الدمار الهائل الذي خلفه العدوان على قطاع غزة, وأمام التحديات التي تواجه الحكومة, فإن الوحدة والتكاتف هي طوق الحياة والنجاة والصمود, ولا بديل عن الوحدة الوطنية.
أما رسالة الحكومة للخارج, فقد اوصلت رسالتها الأولى في هذا الاتجاه لإسرائيل, بأن الوحدة الوطنية والشراكة السياسية هي الطريق لإنهاء الاحتلال ونيل الحقوق والمطالب الشرعية للشعب الفلسطيني, وأن محاولات إفشال حكومة الوفاق الفلسطيني قد باءت بالفشل أما الصمود الفلسطيني, وأن قرار المصالحة والوحدة الفلسطينية هو قرار وطني فلسطيني لن يخضع لإملاءات الاحتلال, وأن قطاع غزة هو جزء أصيل من التراب الفلسطيني لا يمكن التنازل والتخلي عنه.
أما الرسالة الثانية التي أرادت الحكومة ايصالها للخارج, فهي موجهة لكافة القوى الإقليمية التي كان لها تأثير واضح فترة الانقسام, بأن الأجندة الفلسطينية أجندة وطنية بامتياز ولن تخضع للتجاذبات والصراعات الإقليمية, وأن القرار الوطني الفلسطيني قرار مستقل غير خاضع للابتزاز, وأن المصلحة الفلسطينية فوق الجميع. أما الرسالة الثالثة فهي موجهة للمجتمع الدولي, بأن التحرك الفلسطيني في المحافل الدولية يحظى بإجماع وطني من كافة القوى السياسية الفلسطينية, من أجل الحصول على الحقوق الفلسطينية الشرعية, التي كفلتها القرارات الدولية, وأن إنهاء الاحتلال بات قريب بالوحدة الوطنية الفلسطينية. أما الرسالة الرابعة في هذا النطاق, فقد أوصلت الحكومة رسالة واضحة لمؤتمر المانحين لإعادة اعمار قطاع غزة, أن السيادة في قطاع غزة أصبحت تابعة لحكومة الوحدة الوطنية, وهي رسالة طمئنة لكافة الدول المشاركة في المؤتمر أن ما سيتم تخصيصه من أموال لإعادة الاعمار ستشرف عليه الحكومة وفق الخطط والبرامج التي تم اعدادها.
إن زيارة واجتماع الحكومة في قطاع غزة, تأتي في ظروف استثنائية, فحجم القضايا والملفات والتحديات التي تواجه الحكومة كبيرة, فقطاع غزة يعيش حالة دمار شامل وواسع إثر العدوان الإسرائيلي, مع استمرار أزمة رواتب موظفي قطاع غزة التي ظهرت في بدايات عمل الحكومة, على الرغم من وجود لجان إدارية وقانونية لحل هذا الملف, بالإضافة لأزمة الكهرباء, وتفاقم حجم البطالة في صفوف الخريجين, فأمام جميع هذه التحديات والملفات فإن المطلوب توفير الأجواء والأرضية المناسبة لعمل الحكومة, من خلال التعاون الوثيق بين الحكومة وكافة الفصائل الفلسطينية ومؤسسات المجتمع المدني, وأن تكون العلاقة بين الحكومة والفصائل ومؤسسات المجتمع المدني, علاقة تكاملية تشاورية, وإلا ن تحظى الحكومة بالاستقرار.
أحمد سمير القدرة
باحث في شؤون الشرق الأوسط