تاريخ النشر: 2023-04-19 | 19:34
تاريخ النشر: 2023-04-19 | 19:34
في سابقة لم يقم بها أي رئيس إيراني سابق خاطب الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي أهالي غزة عبر شاشات التلفزيون التي نصبت في خلال مهرجان "الضفة درع القدس" والذي أحيت حركة حماس من خلاله يوم القدس العالمي، وتضمن خطاب الرئيس الإيراني دعوة لأهالي غزة لإظهار المزيد من الصمود وبالاستمرار على نهج الضغط في الكفاح ضد إسرائيل.
واللافت في الأمر أن فعاليات " يوم القدس " كانت دائما تحظى باهتمام الحرس الثوري الإيراني، الذي لطالما وظف نفس الخطاب خلال الفعاليات التي راعاها في طهران للتأكيد على الارتباط الوثيق بين إيران وحماس في مواجهة إسرائيل، ولكن في هذه السنة اختارت مؤسسة الرئاسة أن تخلف المؤسسة العسكرية في القاء هذا الخطاب وهو ما يفتح الباب لطرح التساؤلات حول الغايات التي دفعت رئيسي بتولي مهمة مخاطبة أدرع إيران في فلسطين الجهاد وحماس.
مضامين خطاب رئيسي ركزت على ثلاثة محاور رئيسية: التأكيد على أن إيران حريصة على محور المقاومة وعلى أن المفاوضات لن تمكن الفلسطينيين من الحصول على حقوقهم، وعلى أن تطبيع الدول العربية مع الاحتلال الإسرائيلي لن يزيد القضية الفلسطينية سوى ضعفا فضلا عن أنه سيمكن الإسرائيليين من الحصول على سلام دون مقابل، وهي مضامين أراد من خلالها رئيسي التأكيد على أن التوجه السياسي لإيران فيما يخص الملف الفلسطيني لن يتأثر بأي تغيرات تحصل في السياسة الخارجية لطهران على المستوى الإقليمي، وهنا تريد القيادة السياسية في طهران أن تشير الى أن التقارب الإيراني السعودي وان شمل الملف اليمني وازال الخلافات القائمة بينها وبين أبوظبي والرياض فانه لن يشمل ملفات أخرى كلبنان وفلسطين .
في نفس الاتجاه ذهب حسن نصر الله في كلمته بمناسبة "يوم القدس" حيث أكد أن إيران هي السند الحقيقي للمقاومة واستعمل مصطلح " فرملة التطبيع " كأحد الأهداف التي يفترض من الاتفاق السعودي الإيراني أن يحققها، كما بارك الوصول الى حل سلمي في اليمن، وهي إشارات تعني أن حزب الله يتفق مع الاتجاه الإيراني الذي لا يرى حلولا سياسية لجميع مسائل الشرق الأوسط أو ان يضعها في سلة واحدة وعلى على حساب محور المقاومة، فالإجماع على حل الأزمة اليمنية على حساب جماعة الحوثي لا يعني بالضرورة أن إيران ستتخلى على أدرعها في لبنان وفلسطين.
لم يكن خفيا على طهران سياسة " تصفير المشاكل " التي تنتهجها الرياض قد تشمل حليفتها في غزة " حماس " وقد اتضح هذا منذ شهور عندما أفرجت عن القيادي محمد الخضري في أكتوبر 2022 ثم عززت ذلك بإطلاق سراح العديد من المعتقلين الأردنيين والفلسطينيين المنتمين للحركة منذ شهرين، كما أن طهران استشعرت أن ترتيبات السعودية لزيارة وفد من حماس والذي تلاه استقبال رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس قد يكون وراءه محاولة لدخول المملكة على خط المصالحة الفلسطينية الذي سيمكنها من إعادة احياء مبادرة السلام العربية التي أطلقتها في القمة العربية في بيروت عام 2002 وقد تطرقت العديد من المصادر الاعلامية أن هذه المبادرة قد كانت حاضرة خلال المحادثات التي جمعت المسؤولين السعوديين بوفد حماس ولكنها قوبلت برد سريع من قبل عضو المكتب السياسي لحركة “حماس” موسى أبو مرزوق والذي ذهب بعيدا عندما صرح بأن الحركة لا تريد أن تكون علاقاتها مبنية على حساب طرف على الآخر في اشارة الى أن الرياض وان أبدت انفتاحا على حماس ظهر منذ شهور الا أن ذلك لا يعني بالضرورة أن الحركة مستعدة للذهاب في مسار سياسي يفسد الود الذي يجمعها مع طهران حليفها المالي والعسكري .
ان تقديم الخطاب السياسي على الخطاب العسكري في يوم القدس العالمي له دلالات واضحة بأن الديبلوماسية التي تقودها طهران نحو إزالة خلفاتها مع جيرانها الخليجيين لا يمكنها أن تأتي على حساب نفوذها العسكري ومصالحها الاستراتيجية في المنطقة وعلى محور المقاومة الذي يمتد من سوريا الى لبنان وصولا الى غزة، كما أن طهران ترى في أن تحركات الرياض في منطقة نفوذها من خلال التصالح مع الأسد وتليين موقفها من حماس ربما يخفي وراءه خطة لإحياء مبادرة السلام العربية خلال القمة العربية القادمة، تتعارض مع مصالحها وتصوراتها للصراع ضد إسرائيل، وهو الأمر الذي لا يمكن أن تقبل به طهران وان كان ثمنه انهيار الاتفاق الأخير مع السعودية، ومن هنا يمكن اعتبار أن رسائل طهران الأخيرة من خلال غزة هي رسائل موجهة بالدرجة الأولى للرياض قبل أن تكون موجهة لتل أبيب .