تاريخ النشر: 2017-03-14 | 08:51
تاريخ النشر: 2017-03-14 | 08:51
أمد/ غزة – خاص : جاءت إشارة عبر جهاز اللاسكي الخاص بطواقم الإسعاف في خانيونس للسائق المناوب ، بضرورة تحركه من مستشفى ناصر الى مستشفى الشفاء في غزة ، ووصوله حسب الوقت المقدر له ، فالمسعف يحاول إنقاذ روح طفل لم يتجاوز عمره الثالثة بعد ، وحالته غاية الخطورة ، فكانت محاولته إنسانية بحتة ، ومع نقل الطفل الى قسم العناية المركزة، اتخذ سائق سيارة الاسعاف مكاناً قريباً من ثلاجة الموتى في المستشفى ، الأمر الذي قدّره كالعادة لتوفر المساحة الكافية لركون السيارة حتى ينتهي المسعف من نقل الحالة المنقولة ، والعودة الى نقطة انطلاقة .
سائق سيارة الإسعاف يتفاجأ ببضعة شبان يهجمون على السيارة ، من غير سابق إنذار ، فينزل منها على عجل غير مدروس ، ليرى طبيباً ملاحق من قبلهم ، والأيادي تمتد إليه ضرباً والركلات تتوطن جسده بصورة مهينة لطبيب سبعيني ، فأخذ سائق الإسعاف بدون تفكير فتح باب السيارة وحشر الطبيب فيها ، وما إن وصل لمقعد القيادة حتى طالته موجة الغضب ، بالضرب والركل ، وجاهد نفسه حتى جلس على كرسي القيادة ، وحرك سيارة الإسعاف هروباً من الحشد الغاضب ، إلا أن الحجارة لاحقت بالسيارة ونالت من زجاجها الخلفي وصفيحها الجانبي ، حتى توارت عن الانظار غير بعيد في حرم المستشفى.
الطبيب المصاب يحدّث سائق سيارة الإسعاف المضروب عن أسباب الاعتداء عليه فيقول له :" أنا الطبيب المعالج للشاب الذي مات بشبهة خطأ طبي ، والذي نقل الى مستشفى الشفاء من أحد المستشفيات الخاصة بغزة ، وحاولت قدر المستطاع انقاذ حياته ، وتركت عيادتي وبيتي لمتابعة حالته ، إلا أن الله قدر مضاعفة وضعه الصحي سوءً ، واليوم أتيت كالمعتاد لمتابعة حالته في العناية المكثفة ، إلا أنهم أخبروني بوفاته ، فنزلت الى الثلاجة حيث أهله لكي أواسيهم وأخذ بخاطرهم ، ولكنهم للأسف قابلوني بالضرب والاعتداء والإهانة كما رأيت".
الطبيب إنسان ، ورجل الإسعاف إنسان ، وسائق سيارة الإسعاف إنسان ، وسيارة الإسعاف حق لكل مريض ، والاعتداء عليهم ، اعتداء على الوعي والأخلاق وثقافة الشعب الفلسطيني ، مهما كانت الفاجعة كبيرة ، فالضرب والاعتداء لن يرد ميتاً قضي أجله بإغلاق كتابه ، فهؤلاء لم يقصدوا قتله ، ولكنهم سعوا الى إنقاذ حياته ، وإعادته الى أهله سالماً ، وإحترامهم رغم الفواجع ، إحترام للمتوفى واستزادة العاطفة الانسانية مع المصابين ، ونشر لثقافة التفهم ، والتعاضد في المجتمع .
اما الأخطاء الطبية التي تزايدت في مستشفيات قطاع غزة ، مسئولية ضخمة تتحملها الصحة ، بظل انتشار المستشفيات الخاصة ، التي انتشرت عن طريق غسل الأموال ، ولم تراعي ذمة ولا ضمير ، وكل همها الربح السريع ، بشراء عدداً من الأطباء والممرضين والاداريين ، الذين ضاقت بهم الوظيفة ، وأهملتهم الصحة ، وحولتهم من طواقم نافعة ومنتجة ومحترمه تحت قسم المهنة السامية ، وحولتهم الى تجار وساعين على رزق بسبب التعامل الراتبي ، فطبيب تخرج منذ عشرة سنين ، يتقاضى راتباً مقطوعاً لا يتجاوز الـ 1500 شيكل ، كيف سيتصرف في ظل ارتفاع الأسعار ، وتعقيدات الحياة ، غير أن يسلم نفسه وخبرته وأمانته لمستشفيات خاصة ملاكها تجار وسماسرة ، كل ما يربطهم بالطب الربح فقط ، ليس له فيها غير راتبه ، ومطالباته بتحسين وسائل وأجهزة الطب والتعقيم ، ونظافة الأسرة والبلاط ، وضروريات المهددة ، غير مسموح له ، كل ما عليه أن يعمل ما عليه بما توفر له من معدات ، مقابل أجره !.
حالات الاعتداء على الطواقم الطبية من قبل المفجوعين بفقدان الاعزاء ، لازالت حالات ولم تصل الى ظاهرة ، ولكن تكرارها في الأونة الأخيرة يحتاج الى وقفة جادة من قبل الجهات المسئولة في قطاع غزة .
استدراك خطير حسب مصادر صحية ، حالات وفاة الأطفال دون السنتين ، باتت مخيفة في هذه الفترة ، مجرد استفهام لعل الحد من الأسباب يسبقه مسئوليات متعددة المستويات ، تبدأ من البيت والأم خاصة ، وتنتهي بالطواقم الطبية التي تتعامل في بعض الأحيان مع المرضى أرقاماً ، مجرد أرقام وانتهى !!!.