لا يختلف اثنان على الخطر الاستراتيجي الذي أحدثته المصالحة الفلسطينية على المخططات الإسرائيلية التي استثنت في السنوات الأخيرة قطاع غزة كلياً من كل الترتيبات المتعلقة بالتسوية النهائية بين الفلسطينيين والإسرائيليين، بل وباتت ترفض مجرد ذكر القطاع المحاصر في كل النقاشات الخاصة بالوضع النهائي بين فريقي التفاوض، وخيراً فعلت القيادة الفلسطينية بهجوم التصالح الذي أسفر عن إعلان الشاطئ وهو امر قاد في النهاية إلى تشكيل حكومة التوافق الوطني بمهمات محددة وترتيبات زمنية متفق عليها.
الحكومة أعلنت منذ نحو أسبوعين، ومن ساعتها حتى هذه اللحظات لم ير المواطن البسيط أثراً لها، فلا تغير طرأ على اشتراطات الحصار القاسية في غزة، ولا تحسن جرى على آلية فتح معبر رفح الحدودي، ولا تطورات جرت في زيادة ساعات وصل التيار الكهربائي في منازل المواطنين، ولا تغيرات ذات مغزى تتعلق بمواد البناء وآلية دخولها إلى غزة، ولا أكثر من ذلك ولا أقل مما حلم به الناس مع انجاز ترتيبات الحكومة التوافقية، لكن الأهم لم يحدث بعد، ما يزال الناس يتساءلون متى سيتواصل وزراء حكومة الوفاق من الضفة الغربية بوزاراتهم في قطاع غزة؟، ومتى سيشعر الموظفين في الوزارات المختلفة أن لهم وزراء يرتبطون بهم وبسياساتهم ويعملون وفق منهجهم الوظيفي؟، ومتى سيتحقق الأمان الوظيفي الذي بشرهم به الساسة لحظة إعلان الاتفاق؟، ومتى سيعرف موظفو قطاع غزة الذين التزموا بقرار قيادتهم بمواعيد عودتهم إلى أعمالهم ووزاراتهم وفق الآلية "العادلة" التي توافق عليها القوم لحظة إعلان توافقهم؟، ويتبقى سؤال ملح للغاية، وينطوي على آمال وآلام، هل سيتقاضى موظفو حكومة غزة المقالة رواتبهم عن الشهر الحالي؟، ووفق أي آلية؟، وبأية ضمانات؟، وهل سيستشعرون مع مرور الوقت أنهم جزء لا يتجزأ من النسيج الوظيفي على المستوى الوطني وأنهم ليسوا "عبئاً" على أحد؟، هذه التساؤلات وغيرها ما تزال برسم وزراء التوافق، الذين ينطوي سلوكهم على تفسير واحد مفاده أنهم لم يتلقوا بعد الضوء الأخضر من القيادة السياسية لمباشرة أعمالهم في شطري الوطن !!
السجال الذي ترتب على "أزمة الرواتب" خلال الأسبوع المنصرم يؤكد أن مصالحتنا الوطنية ما تزال هشة، وأن أولويات الساسة ما تزال على المحك، وأن الجسم الوليد ما يزال غير قادر على التواؤم مع المعطيات الجديدة، والأهم أن القلوب ما تزال غير مهيأة تماماً وغير جاهزة لاشتراطات التصالح، وهذا ما عبرت عنه تصريحات الناطقين الإعلاميين الذين ما أن استعرت نيران قضية الرواتب حتى تناسوا أن في الوطن حكومة وفاق وبدأوا تراشقاً خشي الجميع من عواقبه على المشهد الوطني برمته.
نتطلع إلى مصالحة جادة، تتخللها مصالحة اجتماعية، وخوض جماهيري في تفاصيل التصالح، وتركيز أكبر على الاحتلال وما يحمله من مخططات تصفوية، وأن نعي الدرس جيداً، ونعرف أن المحتل لا يحتمل وفاقنا، وأن الوقت ليس لتسجيل النقاط أو تحقيق انتصارات إعلامية محلية، وهو ليس وقت "خطاب المظلومية" على الإطلاق، إنه وقت العمل والبناء على الانجاز وتحقيق انتصارات ولو معنوية من أجل زيادة مساحة الأمل في قلوب شعب كوته سنوات الانقسام بنيرانها وجعلت قتامة المشهد سمة سائدة في نظرته لحاضره ومستقبله.