من التهديد بالحرب لإسقاط الثورة الإيرانية، ومن الإحتواء المزدوج إلى مرحلة العقوبات الشاملة والحصار ... ثم المصالحة التاريخية في فيينا. أكثر من 36 سنة مرت على الخلافات الأميركية - الإيرانية، وعلى التحول الكبير في موازين القوى في الشرق الأوسط.
خلال هذه السنين مرّ الرهان الأميركي بمراحل مختلفة. في البداية راهنت واشنطن على عدم تقبل الإيرانيين التحول من دولة مهابة في الإقليم، ذات نمط عيش أوروبي في حدود معينة، إلى دولة دينية متزمتة يحكمها رجال دين يفرضون الشريعة الإسلامية. على هذا الأساس دعم البيت الأبيض المعارضة الداخلية وأشهر سيف العداء للحكم الجديد. لكن تبين في ما بعد أن لرجال الدين هؤلاء شعبية كبيرة، خصوصاً في الأرياف التي تشكل القسم الأكبر من البلاد، وأن الطبقة الحاكمة في أيام الشاه، والمستفيدين منه، أقلية، وكان القمع كافياً لإسكات الجماهير. وطرد الحكام الجدد الماركسيين والعلمانيين والحزبيين التابعين لرجوي وبازركان وبني صدر خارج البلاد.
ثم كان رهان واشنطن على خروج طهران من حرب الخليج الأولى فقيرة ضعيفة، وقد انهار اقتصادها وأصبحت في حاجة إلى المساعدة، أو يكون قد خرج الإيرانيون على الحكم، خصوصاً أن الحرب طالت أكثر من ثماني سنوات، وقتل خلالها أكثر من مليون إيراني وعراقي ودمر اقتصاد البلدين. لكن رهان البيت الأبيض فشل مرة أخرى. وتحول العداء الأميركي إلى العراق، الذي حاول تعويض ما خسره في الحرب من خلال جيرانه العرب باعتباره كان يدافع عنهم في الجبهة الشرقية ويقف في وجه تمدد ثورة الخميني، فخرجت نظرية الإحتواء المزدوج... إلى أن ارتكب صدام حسين خطأه التاريخي بغزو الكويت وكانت حرب الخليج الثانية، ففرضت العقوبات على بغداد وأطبق الحصار عليها. والأهم من كل ذلك احتضان إيران كتلة عراقية كبيرة ودعمها بالمال والسلاح والتدريب، فضلاً عن تغاضيها عن انفصال الأكراد، بدعم أميركي وغربي.
الرهان الأميركي الثالث كان تدمير كل ما بنته إيران بعد الثورة من أسلحة ومصانع وتكنولوجيا بتشديد الحصار والعقوبات الصارمة، والإستعدادات العسكرية المتواصلة. لكن حادث 11 أيلول وتدمير برجي التجارة العالمية في نيويورك أصاب جورج بوش الإبن والمحافظين الجدد بالحول السياسي فقرروا احتلال العراق، على أمل أن تكون جيوشهم قريبة من إيران ومن سورية، لكنهم فشلوا في تحويل ما بين النهرين إلى منصة لإطلاق الحرب على طهران ودمشق اللتين نشطتا في دعم المقاومة العراقية، وعمقتا تعاونهما في المنطقة كلها، متخذتين المسألة الفلسطينية عنواناً لتحركهما.
ومرة أخرى فشل الرهان، لا بل أكثر من ذلك، استطاعت إيران بواسطة المعارضة العراقية القادمة من أراضيها، وفي حماية قوات الإحتلال، إيصال من تريد إلى السلطة في بغداد، وأن يكون لها نفوذ في بلاد الرافدين لم يسبق أن كان لها من قبل. لا بل مدت نفوذها إلى سورية ولبنان وفلسطين. ولذلك أسباب كثيرة، أهمها انهيار النظام الرسمي العربي وانكفاؤه عن مواجهة إسرائيل.
أما الآن، وبعد الاتفاق الذي أبرمته إيران مع الدول الخمس الكبرى زائداً ألمانيا، ورفع العقوبات الدولية عنها في مجلس الأمن، فتحول التهديد بالحرب وإعادتها إلى العصر الحجري إلى سباق على كسب ودها للحصول على امتيازات وعقود واستثمارات في النفط والغاز والسلاح وغير ذلك. والطريف أن أول المتحمسين لزيارة طهران كان لوران فابيوس الأكثر تشدداً خلال المحادثات النووية.
أما رهان أميركا الآن فلم يعد على عمليات سرية لـ «سي آي إي» أو على ذراعها العسكرية في إسرائيل أو تشديد الحصار والعقوبات، بل على تحولات بنيوية داخلية ستحدثها الشركات الغربية العملاقة التي تتأهب لـ «غزو» السوق والمجتمع وتنشئ علاقات مع الإصلاحيين. فالتحولات الإقتصادية أكثر فاعلية من التحولات بواسطة الحروب. وهذا ما أثبتته التجربة الأوروبية بعد حربين عالميتن.
قد يقول أحدهم أن أميركا تشن الحروب للمحافظة على مصالحها ومنع الدول المعادية من تهديدها. لكن ها هي الدول التي كان يمكن أن تشكل خطراً على المصالح مفككة، فالعراق وسورية عادا إلى مكوناتهما الأساسية ما قبل الدولة، ومصر منكفئة إلى الداخل، وإيران توقع اتفاقاً تاريخياً مع أصحاب المصلحة كلهم، والخطر أصبح حكاية من الماضي.
عن الحياة اللندنية