الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

رواية "رغيف في زمن المجاعة

ـ الجزء الأول – بداية الجوع

في غزة، حيث تُقاس الحياة بلحظات جوع وحرمان، كان عُدي، طفلٌ لم يتجاوز العاشرة، يجلس أمام نافذته الضيقة يراقب الغبار يتصاعد من أنقاض منزله المدمر.
لم يكن عُدي يعرف شيئًا عن السياسة أو الصراعات التي أرّخت تاريخ مدينته، لكنه كان يعرف جيدًا معنى الجوع الذي تملّك جسده وكرهه لكل لحظة انتظارٍ لرغيف خبز قد لا يأتي.
في كل صباح، كانت أمه تحاول أن تجمع ما تبقى من قوتٍ قليل، يَشبه رشفة ماء بين ظمأ كبير، لتبقي العائلة على قيد الحياة.
لكن اليوم، كان مختلفًا.
أعلنت الأمم المتحدة حالة المجاعة في غزة، وكان هذا الخبر يضرب قلوب الناس مثل الرصاصة الأخيرة التي توقّفت عندها أقدام الأمل.
تجول عُدي في أزقة المدينة التي تحملت سنوات الحصار والقصف، كل زاوية فيها تحكي قصة ألم، وكل وجه يروي قصة صمود.
رأى الأطفال يلعبون بألعاب مكسورة، النساء يحملن أواني متهالكة تبحث عن ماء، والرجال يتبادلون نظرات اليأس والخوف.
ولكن وسط هذا البحر من الألم، كانت هناك عينان صغيرتان تلمعان في وجه عُدي. عيناه كانتا تعكس أملًا لا يموت.
فحتى في هذه اللحظة القاتمة، لم يفقد الطفل إيمانه بأن يومًا ما، سيأتي ذلك الرغيف، ذاك الرغيف الذي ليس مجرد طعام، بل حياة، وكرامة، ووعد بالحياة.

ـ الجزء الثاني – الطفولة المسروقة
في أحد الأزقة الضيقة بمخيم جباليا شمال غزة، جلست نسرين، الطفلة ذات الأعوام العشرة، وسط ركام منزلها الذي دمرته غارة إسرائيلية قبل أسابيع. وجهها شاحب، عيناها غارقتان في سواد الجوع، لكن فيهما بريقٌ صغير يرفض أن يُكسر.
لم تأكل نسرين منذ يومين. كانت أمها تقنعها بأن شربة الماء تكفي "حتى الصباح"، لكن الصباح جاء بلا رغيف، والمساء حل دون وعد. أما الأب، فقد قرر أخيرًا أن يخرج، حافي القدمين، ليبحث عن فتات طعام… عن حياة.
خرج ولم يعد.
عاد محمولًا على الأكتاف، تغطيه دماء الشهادة، وقد اخترقت رصاصات القناصة صدره… فقط لأنه حاول أن يُطعم طفلته.
وقفت هنا فوق جسده المسجّى، لم تصرخ، لم تبكِ، فقط همست:
"بابا… أنا مش جوعانة، بس ارجع…"
مرّت السنوات، وكبرت هنا، بينما الطفولة لم تكبر معها. كانت تمشي كل صباح إلى المدرسة التي نجت من القصف، تحمل حقيبة صغيرة، فيها كتب وكسرة من ذاكرة أبيها. لم تكن تبرع في الرياضيات، لكنها كانت الأصدق حين يُطلب منهم أن يكتبوا عن "الوطن".
كانت تقول:
"أنا لم أرَ فلسطين كاملة… لكني أعرفها من وجه أمي حين تسمع أخبار القصف، ومن صمت جدي حين يرى البحر ولا يستطيع الوصول إليه."
وذات يوم، وفي ظلّ "هدنة مؤقتة" أعلنتها قوات الاحتلال، خرجت هنا مع والدتها إلى السوق، فوجدت رغيف خبز دافئ — كنز حقيقي في زمن المجاعة. احتضنته بفرح الأطفال، وركضت به إلى البيت، تركض كأنها تحمل قلب أبيها بين يديها.
لكن السماء لم تصمت طويلًا.
صفير.
صاروخ.
غبار.
سكون.
استيقظت نسرين في مستشفى ميداني، وجهها مغبر بالشظايا، يدها مضمدة. أول سؤال سألته:
"الرغيف… فين الرغيف؟"
بكت الممرضة.
نسرين فهمت، وابتسمت رغم الألم، وقالت:
"لسّا ما أكلت… بس المرة الجاية، مش رح أهرب بالرغيف… رح أصرخ بيه. رح أخليه علم."
ومنذ ذلك اليوم، لم تعد نسرين مجرد فتاة من مخيم الشاطئ. صارت صوتًا.
كانت تكتب على جدران المخيم:
"نحن لا نعيش لنأكل، نحن نأكل لنواصل الحياة، حتى نحرّرها."
وفي كل مرة يُقصف فيها شارع، كانت تكتب اسمه. وفي كل مرة تُقطع فيها الكهرباء، كانت تضيء وجع الليل بكلماتها. الصحف الأجنبية كتبت عنها:
"فتاة الرغيف والركام".
لكنها لم تفرح.
كانت تقول:
"أنا لست قصة… أنا حقيقة. نحن لا نحتاج تعاطفًا… نحتاج أن يتوقف الجوع، أن تُكف يد القاتل."
وفي آخر مرة وقفت فيها عند جدارٍ لا يزال واقفًا رغم الحصار، كتبت:
"من خرج ليجلب خبزًا… عاد شهيدًا. لكن الجوع لم ينتصر."
ثم وقّعت:
هنا، بنت الجوع… وشهيدة الرغيف.

- الجزء الثالث – بقاء الذاكرة
لم تكن هنا تكتب لتُصبح مشهورة، بل كانت تكتب كي لا تُمحى. كانت تعرف أن الاحتلال لا يقتل فقط بالجوع والقنابل، بل بالمحو… محو الأسماء، القصص، البيوت، والمقابر.
وذات صباحٍ خريفي، كانت هنا تجلس على ركام مدرسة مدمّرة، وحولها مجموعة من الأطفال الذين فقدوا أهاليهم، أو أطرافهم، أو من فقدوا طفولتهم ببساطة. كانوا صامتين، حتى بدأت تقرأ عليهم من دفترها:
> "الاحتلال حاصرنا بخبزٍ قليل، فحوّلناه إلى شعلة. منع عنّا الماء، فشربنا من دمع أمّهاتنا. أراد لنا الموت، فصنعنا من الحياة مقاومة."
صمت الأطفال، لكن أعينهم كانت تصفق.
وفي مساء ذلك اليوم، وصل خبرٌ مفاجئ:
وفدٌ صحفي دولي سيزور غزة، وطلب لقاءً مع “الفتاة التي تكتب على الجدران”. كانت المرة الأولى التي يطرق فيها العالم باب هنا، لا العكس.
في لقائها، لم تبتسم للكاميرات. لم ترتدِ الثوب الفلسطيني المطرّز، ولا زُيّنت بالورود كما أرادت بعض الصحفيات الأوروبيات.
قالت لهم بهدوء:
"أنتم هنا لتصوروا وجهي، لا قضيتي. لتسألوا عن الرغيف، لا عن من سرقه. تريدون أن تكتبوا قصة البطلة الصغيرة، لا قصة الاحتلال الكبير."
أحدهم تجرأ وسأل:
"ما الذي تريدينه حقًا؟"
نظرت إليه بعين ثابتة، وقالت:
"أريد أن تأخذوا هذا الجوع وتضعوه على موائدكم. أن تأخذوا هذا الصمت وتضعوه في نشراتكم. أريد أن تفهموا أنني لا أحتاج تصفيقكم… بل وقوفكم. لأن كل دقيقة صمت منكم، هي دقيقة موت منّا."
لم ينطق أحد. لكن بعدها، انتشرت كلمات هنا كاللهب. نُشرت مقالات، وصُوّرت تقارير، حتى أن إحدى المنظمات عرضت عليها منحة للدراسة خارج غزة، في أوروبا.
كان يمكنها أن تغادر.
لكنها رفضت.
قالت:
"لا أريد أن أُغادر وأصبح حكاية بعيدة. أريد أن أظل بين الركام، كي أكتب كل يوم… أننا ما زلنا هنا."

ـ الجزء الرابع – الركام والصمود
المدينة تحت الحصار، وكل زاوية تحمل ذكرى، وكل شارع يئن من شظايا القصف.
رأى عُدي ونسرين أصدقاءهم يختفون واحدًا تلو الآخر، إما إلى المستشفيات الميدانية، أو تحت ركام البيوت، أو إلى الملاجئ المؤقتة التي صارت لا تتسع لكل النازحين.
في المخيم، أصبح الركام جزءًا من الحياة اليومية. الأطفال اعتادوا أن يلعقوا الغبار بعد كل انفجار، كأنهم يتناولون وجبةً من الوجع، والنساء يصنعن الحساء من أي فتات، والرجال يتحركون بين البيوت المهدمة بحثًا عن أي أثر للنجاة.
وسط هذا الركام، صارت هنا رمزًا للصمود. كانت تجمع الأطفال حولها، تعلمهم القراءة من بين الشظايا، وتكتب على الجدران رسائل صغيرة:
"لا تخافوا… الجوع مؤقت، ولكن إرادتنا أبدية."
في إحدى الأيام، وصلت أخبار عن مجزرة جديدة، صاروخ أوقع عشرات الضحايا في شارع قريب. حاولت هنا أن تهدأ الأطفال، لكنها لم تستطع تهدئة قلبها.
قالت:
"كل من ماتوا اليوم، هم جزء مننا… وكل من نجا، هو شهيد لم يولد بعد."

ـ الجزء الخامس – رحلة البحث عن الرغيف
عُدي أصبح شابًا، لكنه لم ينسَ رائحة الخبز المفقود أيام الطفولة. كل يوم، كان يتحرك مع والده بين أزقة المخيم ليجد أي فتات طعام.
وفي إحدى المرات، وبينما كانوا يبحثون في سوق محطم، رأى صبيًا صغيرًا يركض ممسكًا برغيف خبز وحيد. عُدي ركض نحوه، لمسرّة، لكنه توقف عندما رأى يد الصبي تنزف بسبب الشظايا.
أخذ الرغيف برفق، وأعطاه للصبي، وقال:
"هذا ليس مجرد خبز… إنه وعدنا بالحياة."
كانت غزة كلها وعدًا بالحياة، لكن كل وعد كان مهددًا بالانفجار التالي.

ـ الجزء السادس – الليل الطويل
الليل في غزة صار أطول من أي وقت مضى. الكهرباء انقطعت، والمياه أصبحت نادرة، والخبز… نادر أكثر.
جلست هنا على سطح بيت مهدّم، تحدق في السماء، تحاول أن تعد النجوم لتنسى الجوع. قالت بصوت منخفض:
> "نحسب النجوم بدل الأرواح… لأن الأرواح صارت معدودة."
لكن في هذا الليل الطويل، كان صوت الانفجار يذكرها أن الحياة ليست وعدًا… وأن الغد ليس مضمونًا.

ـ الجزء السابع – الأمل تحت الأنقاض
في إحدى المدارس التي نجت جزئيًا، بدأ معلمون متطوعون يفتحون أبوابها للأطفال النازحين. هنا قررت أن تصبح معلمة للأطفال.
كانت تعلمهم الحروف من بين الشظايا، وكانت تقول لهم:
"كل حرف تكتبونه، هو سلاحكم… كل كلمة تقولونها، هي مقاومة."
الأطفال كانوا يستمعون، ويكتبون، ويضحكون رغم الجوع والقصف.
رغم أن الخبز قليل، كان التعليم هو رغيفهم الروحي.

ـ الجزء الثامن – صرخات صامتة
في إحدى الغارات الليلية، فقدت هنا صديقة طفولتها، وكان ذلك اليوم أسوأ يوم في حياتها. لكنها قررت أن لا تصرخ… لأن صراخها لن يعيد أحدًا.
بدلاً من ذلك، كتبت على الجدار المهدّم:
"كل دمعة هنا هي شهادة، وكل جرح هو دليل أننا ما زلنا موجودين."
كانت صرخات صامتة، لكنها كانت أبلغ من كل الأخبار والتقارير الدولية.

ـ الجزء التاسع – الجوع لا يُقهر
في المخيم، كان الجوع أكثر من مجرد ألم في المعدة. كان شعورًا بأن الحياة نفسها مؤقتة، وأن كل يوم ننجو فيه هو انتصار صغير على الاحتلال والجوع والقصف.
هنا تعلمت أن تعطي الأمل، حتى عندما يكون كل شيء حولها مفقودًا. كانت تقول للأطفال:
"الرغيف ليس فقط للكم… بل للروح. حتى لو أكلتم فتاتًا، اجعلوا الأمل كبيرًا."

ـ الجزء العاشر – رسالة الحياة
بعد سنوات من الحرب، وبعد أن كبرت هنا وأصبح لها صوت في المخيم، كتبت رسالة لكل طفل فلسطيني يعيش الجوع والخوف:
> "نحن هنا… رغم الركام، رغم الدم، رغم الرصاص والجوع.
نحن باقون… لأن الحياة لا تنتظر إذنًا من أحد، والكرامة لا تُباع، والرغيف… ليس مجرد خبز، بل وعد بالحياة."
وهكذا، بقيت غزة، وضلّت الروح الفلسطينية حية، كل رغيف خبز أصبح شهادة، وكل يوم نجاة أصبح نصرًا صغيرًا، وكل جدار مهدّم أصبح دفترًا للكتابة… وكتبت هنا، حتى لا يُمحى التاريخ، ولا يختفي الجوع، بل ليصبح صرخة للحرية والإنسانية

إهداء

"إلى كل طفل فلسطيني جائع، إلى كل أم فلسطينية صابرة، وإلى كل روح صامدة في غزة… هذه الرواية لكم."

×
أخبار
سجال حول انحياز "نيويورك تايمز": الصحيفة تعتذر وتعدل مقالاً تشكيكياً في ضحايا 7 أكتوبر تقرير: 3 سيناريوهات ترسم مستقبل المواجهة السعودية-الحوثية تصعيد ميداني واعتداءات للمستوطنين وقوات الاحتلال تطال محافظات الضفة والقدس شهيد وإصابات في خروقات إسرائيلية متواصلة بغزة وارتفاع ضحايا المباني الآيلة للسقوط شهادات ضباط إسرائيليين تكشف جرائم الذكاء الاصطناعي والنهج المتعمد لقتل مدنيي غزة مقررون أمميون: حظر 12 دولة التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية خطوة متأخرة بالاتجاه الصحيح ميرتس: لقد انتهى عهد الصداقة الأوروبية "غير المشروطة" مع الولايات المتحدة استطلاع: 71 % من الأمريكيين لا يثقون برؤية ترامب لإنهاء حرب إيران قطر تعلن توقيع اتفاقية مع الأمم المتحدة لإدخال نحو 1.3 مليون لتر من الوقود إلى قطاع غزة استطلاع: تراجع كبير لحزب نتنياهو الليكود وآيزنكوت يتقدم ..والقوائم العربية هي الحسم صفعة أممية لأمريكا..تصويت عالمي في الجمعية العامة لصالح حضور وفد فلسطين ف.تايمز: قائد الجيش الباكستاني منير يحث إيران على كبح الحوثيين باكستان تنسحب من اللعب مع إسرائيل في أولمبياد الشطرنج  تضامناً مع الفلسطينيين ترامب: أقترب من قرار حاسم بشأن الحرب مع إيران وقضاؤنا على النظام وارد النقابة: الصحفيون المرضى والمصابون في غزة يعانون ظروفا قاسية ويحتاجون إلى إجلاء طبي للعلاج قرار إسرائيلي بحظر وصول المزارعين الفلسطينيين لحقول الزيتون المصنفة "أراضي دولة" تحليل: حرب فبراير 2026 عززت موقع إيران الإقليمي وكشفت حدود القوة الأمريكية-الإسرائيلية أمريكا تمنح مسؤولين إيرانيين تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة تقرير: "تحالف مكة" يجمع القدرات الدفاعية للرياض وأنقرة وإسلام آباد دون قيادة موحدة أمريكا توافق على بيع محتمل لطائرات "إف-35" إلى السعودية بقيمة 24.3 مليار دولار التحول الديموغرافي يعيد رسم خريطة الناخبين في الولايات المتحدة الأردن وفرنسا تؤكدان ضرورة اتخاذ خطوات عملية لتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة اشتية يدعو اليابان إلى الاعتراف بدولة فلسطين نقابة الصحفيين الفلسطينيين تجدد إدانتها لتصعيد الاحتلال حملات الاعتقال والاستهداف بحق الصحفيين قرقاش: العلاقة مع إيران علاقة ضرورية لدولة الإمارات ويدنا ممدودة..وباب المندب ممر دولي مليارديرات أميركيون يدفعون بأموالهم نحو الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي "اذهبوا وموتوا في بلادكم".. تصريح مثير للجدل لرئيس وزراء تايلاند عقب إغلاق مقبرة يهودية فيتو روسي صيني ضد مشروع قرار أمريكي حول تمديد عمل فريق لجنة العقوبات على إيران السعودية: حالة وفاة وإصابتان بسقوط شظايا إثر اعتراض مسيرة حوثية في الطائف نتنياهو: سنقضي على حماس ونسقط نظام إيران وحزب الله.. ولا مكان محصناً أمام عملياتنا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط