تاريخ النشر: 2025-12-28 | 12:35
تاريخ النشر: 2025-12-28 | 12:35
استراتيجية "ترامب" للأمن القومي بما ورد في الوثيقة قد شكلت في نظرتها لكل من روسيا وأوروبا صدمة غير متوقعة لكلا الطرفين الروسي والأوروبي، وهي صدمة في سياق متناقض تماماً. في الأولى، صدمة إيجابية بالنسبة لروسيا. وفي الثانية، صدمة جاءت كزلزال فيما يخص أوروبا كدول، واتحاد وصولاً ل "حلف الناتو". كلا العنوانين الروسي والأوروبي تجمعهما الجغرافية الأوكرانية صراعاً عسكرياً دامياً. كيف لا وتلك الجغرافية بما تعنيه من موقع جيو سياسي واستراتيجي شكلت حالة استثنائية بالنسبة إليهما. من هنا هي حرب حياةٍ أو موت ولا يريد أي من الطرفين التراجع أو التنازل قيد أنملة حتى الآن.
بما يتعلق بروسيا فقد أظهرت الوثيقة لدى إدارة الرئيس "ترامب" في نظرتها إلى روسيا ذكرت (10) مرات في الوثيقة، أنها لا تشكل تهديداً للأمن القومي الأمريكي. وهي من وجهة نظر إدارة الرئيس "ترامب" لا تعتبر روسيا منافساً لها، بل هناك إمكانية للتعامل معها. ووثيقة "ترامب" جاءت على النقيض تماماً مع استراتيجية الرئيس "جو بايدن" عام 2017، والتي اعتبرت روسيا تهديد مباشر ليس لأمريكا وحسب، بل للنظام الدولي برمته. وتنطلق كلا الوثيقتين المتناقضتين "ترامب وبايدن"، بالاستناد على وقائع الحرب الأوكرانية، والدور الأوروبي الفاعل والمنخرط فيها خوفاً من التمدد الروسي الذي على ما يبدو لا حدود لأطماعه بحسب أوروبا إذا ما سقطت أوكرانيا بيده. حيث حمّلت الوثيقة المسؤولية للدول الأوروبية في عدم قبولها ب "خطة ترامب" لإنهاء الحرب التي ترى واشنطن في توقفها مصلحةً لها. وبهذا المعنى هي أحالت المسؤولية وأعباء استمرار الحرب على عاتق أوروبا، والتنصل الواضح للإدارة الأمريكية من تلك المسؤولية، حيث ألبست نفسها ثوب الحمل الوديع، ثوب الوسيط النزيه بين روسيا وأوروبا، هذا أولاً. وثانياً، الوثيقة وإن في ظاهرها قد ساوت في نظرتها بين الروس والأوروبيين على قدم المساواة، غير أن حقيقة الأمر أنّها أحدثت مفاضلة بين الطرفين لصالح روسيا، من حيث مراعاة مصالحها على حساب مصالح أوروبا.
والارتياح الروسي لما جاء في الاستراتيجية جاء على لسان عددٍ من مسؤوليها وخبرائها، كان في مقدمتهم نائب رئيس مجلس الأمن الروسي "دميتري ميدفيديف"، الذي كتب على موقع "ماكس" قائلاً: "لأول مرة منذ سنوات عديدة، تشير الوثيقة الأمريكية إلى روسيا ليس كتهديد، بل كمشارك في الحوار حول الاستقرار". كما أشار "ميدفيديف" إلى أنّ "الاستراتيجية المحدثة تتضمن بنداً يتعلق بوقف توسع حلف شمال الأطلسي -الناتو-. وأنّ أوكرانيا غير مشار إليها في هذا السياق". أما المتحدث باسم الرئاسة الروسية "دميتري بيسكوف" وصف الوثيقة الجديدة بأنها "خطوة إيجابية، مشيراً إلى اختفاء الصياغات التي كانت تصف روسيا بأنها تهديد مباشر، وإلى وجود دعوات للتعاون. ويمكن أن يشكل هذا ضماناً متواضعاً لإمكانية مواصلة العمل المشترك بشكل بناء في البحث عن تسوية سلمية للقضية الأوكرانية، على الأقل". وأضاف "بيسكوف" بأنّ الاستراتيجية "تتسق إلى حد كبير مع رؤية موسكو التي أعلنها الرئيس فلاديمير بوتين، وقد تضمن التسوية في أوكرانيا". وبدوره الخبير في الشؤون الأميركية "يفغيني أوفاروف" قد قال إنّ "جوهر التحوّل بسيط: الولايات المتحدة لم تعد ترغب في لعب دور شرطي العالم الذي يتحمل العبء الأكبر من المخاطر، بل تريد أن تتحول إلى ترسانة منيعة". ولكنه في ذات الوقت أكد بأنّ الوثيقة تمثل إعادة تموضع "براغماتية، لا تنازلاً، وتستند للمصالح الوطنية الأمريكية ". وتناول الباحث في مركز مشكلات الأمن التابع لأكاديمية العلوم الروسية "قسطنطين بلوخين"، في معرض الحديث عن الاستراتيجية في تصريحه لوكالة "سبوتنيك"، أنّ الوثيقة "مشبعة بروح الواقعية والبراغماتية. لقد كانت محاولة لإعادة إحياء روح السياسة الواقعية المفقودة. على عكس الإدارات السابقة، نرى محاولة لاستناد السياسة الخارجية الأمريكية على المصالح الوطنية".
أما نظرة استراتيجية "ترامب" لأوروبا المصدومة من هول ما أتت على تبنيه الوثيقة من مواقف ورؤى في محصلتها أنّ الإدارة الأمريكية برئاسة "ترامب" ذاهبة في سياق القضاء على أوروبا دولاً واتحاداً والحد من توسع "الناتو". من خلال تشجعيها للتيارات القومية الشعبوية اليمينية الرافضة للهجرة بشكل علني. فالوثيقة تعتبر أنّ الاتحاد الأوروبي يعاني خللاً في تركيبته البنيوية من خلال عدم مواجهته للهجرة الوافدة من خارج الحدود الأوروبية، مرد ذلك إلى أنّ مؤسسات الاتحاد الأوروبي جاءت على حساب سيادة دول الاتحاد. وهنا تنبه الوثيقة إلى أنّ الاستمرار في القفز على سيادة تلك الدول سيدفع بالأوضاع إلى تغيير في المشهد السياسي. وفي تقديري رغم دعوة الوثيقة إلى التنبيه، إلاّ أنّ ذلك على ما يبدو لا يضير إدارة الرئيس "ترامب"، طالما تسعى إلى نسج تحالفات مع قوى قومية يمينية وشعبوية دعتها مواربة إلى ما أسمته "المقاومة داخل أوروبا". من هنا يجب التدقيق في العلاقة بين تيار "ماجا" والأحزاب القومية الأوروبية، حيث يعتبر التيار مرجعية لتلك الأحزاب، فهو يوفر لها إطاراً ايديولوجياً مشتركاً. ففي فبراير/ شباط 2025 شهد مؤتمر "ميونيخ للأمن" جلسات صاخبة عندما وجه نائب الرئيس الأمريكي "جيه دي فانس" للاتحاد الأوروبي انتقادات حادة. قائلاً: "أنّ الخطر الأكبر على أوروبا ليست روسيا أو الصين، بل هو تآكل الديمقراطية وحماية القيم الديمقراطية. بالإضافة إلى ما يتصل بسوء إدارة الهجرة". الأمر الذي اعتبره القادة الأوروبيين تدخلاً في الشؤون الداخلية الأوروبية.
من الواضح أنّ إدارة الرئيس "ترامب" ومن خلال وثيقة الاستراتيجية تريد الآتي: -
• القادة الأوروبيين فشلوا في إدارة القارة الأوروبية. وهذا ما سينعكس خطراً وجودياً بالمعنى الاقتصادي والسياسي والأمني والثقافي والديمغرافي.
• أن القوات الأمريكية لا يمكن أن تحميلها عبء الدفاع عن حلفائها وحدها. وهي بهذا المعنى تريد نقل الأعباء في الدفاع والمال إلى القادة الأوروبيين. حيث تُطالب أمريكا الأوروبيين بتحويل ما سقفه بين 3 و 5 بالمائة من الناتج المحلي حتى العام 2035، لصالح ضرورات ومتطلبات الدفاع.
• الولايات المتحدة تدعو القادة الأوروبيين بل وتطالبهم بتحمل مسؤولية أمن قارتهم ومستقبل حضارتها بشكل مباشر.
• رفض الجهود الأمريكية في وقف الحرب، والاستمرار في دعم أوكرانيا، تقويض لجهودها أمريكا وتستهدف مصالحها الحيوية، مما سينعكس على استقرار الاقتصاد الأوروبي.
أما على ضفة المقلب الأخر، فالقادة الأوروبيين لديهم شعور متنامي بأنّ إدارة الرئيس "ترامب" وبالاستناد لما جاء في الوثيقة، لم تعد شريكاً بالإمكان التكهن بما ستقدم عليه انطلاقاً من تأمين مصالحها التي عبرت عن تأمينها وحمايتها. وهي بذلك تذهب بعيداً عن سياقات استراتيجيات لطالما شكلت أوروبا ثابتاً لا متحولاً كما هي عليه وثيقة استراتيجية "ترامب". فالمصالح وتقاطعاتها تقع في المقدمة للدول الكبرى. فكيف إذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية، وليس أية إدارة تحكم بيتها الأبيض، إنها إدارة الرئيس "دونالد ترامب" الذي لا يرى في العالم إلاّ عقارات واستثمارات يجب وضع اليد عليها بشتى الطرق والوسائل.