تاريخ النشر: 2014-08-05 | 16:12
تاريخ النشر: 2014-08-05 | 16:12
أمد/ غزة- خاص - كتبها ناصر عطاالله: ضحكتها سمة رزقها الله لمحيّها الجميل ، كان ذلك قبل العدوان الاسرائيلي الغاشم على بيت حانون ، وكانت أكثر نشاطاً في بعث الحيوية والحياة بأرجاء البيت ، خاصة عند الصباح الباكر ، عندمت كانت تطرق باب غرفة نوم والديها ، وتقول \"اصحوووا\" وتهرب كقطة اشتاقت للهرولة ، من رد فعلهما ، وهي التي عاشت سنينها السبع من خلف سوار اسرتها ، تتعسس الحياة بكل أمل ، اليوم وبعد العدوان أصبحت ريهام حمد بلا اسرة ولا بيت ولا ضحكة .
مسكت بيدها الصغيرة ، قلوب من استمعوا لدمع عيونها وهي تذرف على خديها ، ولسانها في مكانه لا يحرك ساكناً ، ورأسه يلف كدوار شمس يحملق بالموجدين ، لتصطاد ، قريباً لأهلها الذين قضوا في التاسع من شهر يوليو الماضي ، وتركوا لها بيتاً من ركام ، وضحكاتها المطعونة تحت الردم.
يقول خالٌ لريهام :\" أن القيامة قامت عندما قصف منزل شقيقتي فمات كل من فيه باستثناء ريهام ، التي تم انقاذها بإعجوبة ، وعندما استرجعت وعيها وعرفت عن استشهاد اسرتها ، أخذت تصرخ وتقول :\"لماذا لم تتركوني مع اسرتي لكي أموت معهم ؟ لماذا تركتمونني أعيش ؟ أررريد أن ألحق بهم \"، ومنذ عشرين يوماً وهي في حالة صدمة شديدة ، لا تأكل إلا اليسير ولا تشرب إلا نادراً ، ولسانها لا يتحرك إلا بالسؤال عن والديها وأخوتها الثلاثة ، وسرعان ما تدخل بحالة بكاء شديد ، ولا نعرف بظل الظروف التي نعيشها وتهجيرنا من بيوتنا ، ودمار معظم منطقتنا ، والخراب الذي حل فينا ، ماذ نفعل لأنفسنا ولريهام ، وكل ما نقوله لها ، أن الله اختار لهم الأفضل وأخذهم عنده في الجنة ، ونصبّرها قدر المستطاع ، ونحن الذين بحاجة الى من يصبرنا على مصائبنا ، ولكن لا نقول إلا حسبنا الله ونعم الوكيل\".
من جهته قال الدكتور أشرف القدرة، المتحدث باسم الصحة في قطاع غزة ، إن إجمالي عدد الشهداء منذ بدء العدوان الاسرائيلي على قطاع غزة، حتى الثلاثين يوماً منه ، بلغ نحو 1865 شهيدًا، من بينهم 54% من الأطفال والنساء، مشيراً إلى أن ثلث الشهداء والمصابين من الأطفال حتى الآن.
وأضاف \"القدرة\" : \"الاحتلال الاسرائيلي استخدم خلال عدوانه الحالي أسلحة محرمة دوليًا تسبب الوفاة في الحال، فضلًا عن تسببها في تهتك الأعضاء، فبعض الحالات تصل للمستشفى وقد بترت أحد أعضاؤها أو حرقت\".
وتترك زوجة خالها لريهام مائدة الطعام المتواضعة جداً ، على استحياء ، وتحاول اعطاء شهادة على فظاعة ما حل بعائلة حمد فتقول :\" كنا بحالة ترقب شديد ، ولكننا لم نتوقع أن تقصف منطقتنا ولا منزل شقيقة زوجي بهذا الشكل ، وعندما سمعنا الانفجار القوي الذي أدى الى سقوط جميع نوافذ منزلنا لقربنا من المنزل المستهدف ، خرجنا نحمل أرواحنا هرباً من تكرار القصف ، وعندما احتمينا باسوار المسجد القريب ، عدنا بحذر شديد ، نبحث عن احياء تحت الركام ، فالكل قتل ، ولم يبق غير أن ننتظر سيارات الاسعاف ، ورجال الاطفاء لحريق نشب بالجوار ، وبعد ساعة وأكثر تم انتشال خمسة جثث من تحت ركام منزل شقيقة زوجي ، وصوت خافت لطفلة يطلب النجدة ، وكانت ريهام ، انقذوها رجال الإسعاف على عجل وفي مشفى بيت حانون الصغير ، تعاملوا معها طبياً وقدر الله لها الحياة ، وأخذناها وأخذنا اسرتنا وكثير معنا من المنطقة الى مدارس وكالة الغوث ، ومنذ عشرين يوماً ونحن في المدرسة ، ننتظر انتهاء العدوان ، لكي نعود الى بيوتنا أو ما تبقى منها ، اما ريهام فهي قصة وجع كبيرة ، لا استطيع أن اصفها ( وبكت بشدة ).
ريهام قصة من قصص في عدوان لا يمكن وصفه بعبارات عابرة ، وقليلة ، مثل البربرية ،والوحشية ، والنازية وغيرها ،هذا العدوان الذي جعل من لحوم الابرياء وجدران منازلهم طحيناً في هواء انسانية لم تعد ذات ضمير !!!.
ولكن ومع كل معاناتها نطقت ريهام وقالت جملة واحدة وسكتت بعدها لتتكلم عيونها بلغة الدمع :\" يقولون أن بيتي أصبح ركاماً فأين سأنام بعد اليوم؟!!\"
ربما لم تكمل اسئلتها الكبيرة بعد ، وتقول مع من سأعيش بعد أسرتي ولمن ؟!!.
في غزة خارطة كبيرة من الوجع ، ومع كل روح ارتقت وكل جدار انهار ، وكل شارع اصبح حفرة عميقة ، وكل مدرسة دمرت ، وكل مستشفى تعطّل ، ثمة إجابات جارحة وقصص مؤلمة تحتاج الى لغة تلبس الحقيقة ، لتقول للدنيا بأسرها ، بأي ذنب يقتل الإنسان البريء في غزة؟
في غزة ما يقال عن الألم الكبير ، وفيها محرومون من النوم تحت سقف وجدار ، وفيها قلوب انفحت على أحزان لا يمكن ردمها ، وشواهدها المقابر الممتددة ، لمن أراد أن يتقدم بالتعازي.