الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

زائر الليل ( قصة قصيرة) محمود سلامة سعد الريفى

زائر الليل ( قصة قصيرة) محمود سلامة سعد الريفى

تاريخ النشر: 2014-09-21 | 23:13

للبحر..عشق أبدى, ومساحة من حب لاحدود له, أنا و البحر..علاقة لا تنفصل, وترابط كيميائى متجانس, كثيرا حين أشعر بحاجتى للوحدة والبعد عن كل ما من شأنه تعكير الصفو أجلس بمقابلته و أتأمل هدوءه وشفافيته ,وأحيانا أشعر بغضبه وعنفوانه, كأنه ينتمى لبنى البشر لكنه لا يستطيع البوح عما يجول فى خاطره وما يحمله قلبه الكبير, ولن يسمح بذلك الا لمن احبهم وبادلهم الحب ليمنحهم فرصة الغوص فى أعماقه الداكنة الساكنة الصامته, فى لحظات الراحة و الهدوء و الصفاء الذهنى يمكنك أن ترى من خلال مياهه الزرقاء ما فى القعر القريب, ويأسر قلبك مشهد تلك السمكات الباحثة عن فتات من تناولوا افطارهم للتو وقذفوا بها صوب البحر لتستنفر منها من كانت قريبة و تأتى مسرعة لوليمة لم تتحمل عناء البحث عنها..وللبحر حكايته فى الليل الطويل وخاصة فى لحظات الصمت الليلى حينما تتذكره يمر شريط الذكريات سريعا ويعود بنا الزمان لسنوات انقضت حيث كنا اطفال صغار نهرب من تدافع الموجات المتعاقبات حتى لا تبتل ارجلنا الصغيرة ونعيد "المحاولة" مرة أخرى و أخرى إلى أن تأتينا فجأة موجة سريعة ومرتفعة قليلا حينها لا يمكننا الهرب منها وتلحقنا وتبلل ارجلنا و حتى ملابسنا وتعود ادراجها من حيث أتت وكأنها حققت نصرا أو تفوقا ما.., واوقات اللعب و المرح لها مذاق خاص , كنا نبنى أحلامنا الصغيرة و نترجم ما يدور فى خيالنا, نشيد قصرا أو بيتا من الرمال الصفراء الناعمة التى جبلت بماء البحر ونحيطها بالقلاع وكل واحد منا يعرف أين حدوده حتى تأتى موجة غاضبة ودون سابق انذار تستبيح ما بنته أيادى الصغار وتحيله الى ركام, تماما كعدو اعتاد الهدم و القتل و الدمار ويتلذذ بمشاهد الاشلاء و الدماء, ذكريات قفزت للعقل فى ثوانى معدودة حينما حطت بى الرحال مفترشا رمال الشاطئ الذهبى ليلا مصطحبا معى بعض حاجياتى التى اضعها بحقيبتى وبضمنها دفترى, وقلمى ,وقصاصات ورق تخط عليها يدى ما يجول فى النفس, وما يدور بالعقل, ويستشعره القلب,وينسجه الخيال, كلمات حاضرة تمر عبر الزمان دون أن تتوقف و تسبح فى فضاءات المعرفة..

لدفترى وقلمى قصة ترويها كل الكلمات و العبرات التى سجلتها على اوراقه بفعل الحبر النازف من ذاك القلم, كلمات تحكيها لحظات السكون و الهدوء و الصفاء و الحاجة للكتابة, قد تدور فى الذهن فكرة او خاطرة ما تحتاج لتدوينها بالسرعة الممكنة كى لا تهرب , أو تقفذ من عقلى ووجدانى وتسقط على وسادتى , وتختفى بين حاجياتى, دفترى هو ذاك الصديق الصامد الذى يلازمنى فهو لا يعرف للنوم طريقا و لا للنسيان سبيلا, لكنه قد يلقى مصيرا من جاهلا يقطع اوصاله او يقذف

به ارضا دون ان يعرف قيمته..حين اشعر بالأرق أو الاكتفاء من النوم اترك العنان للروح تسبح فى محيط المعرفة, تخترق جدار المجهول نحو الخيال الواسع ولربما يقع الخيار على ما تهوى النفس و تحب, فى الخيال لا حدود ولا فواصل للزمان و المكان,لا قيود على الحركة , كله مباح الا النذر القليل فهو لا يخصنا و يخص غيرنا و لا حق لنا فيه..حتى فى الخيال الواسع اللامحدود هنالك حدود بين ما هو مباح ومتاح ودون ذلك.. للتو..هبت نسمة هواء تغلغلت داخل الروح و الجسد معا,

انتابنى خلالها شعور بالراحة ما كان منى الا ان اغمضت عيناى وتنفست بعمق نسمات نقية قادمة من الغرب, محملة بالرذاذ, فى الافق بدأ نور يشع رويدا رويدا يطل برأسه "قمر أيلول" خجولا, كلما استقام ازداد نوره الساقط على صفحة الموج المتلاحق بهدوء تلامس الرمال تداعبها برفق و تعود ادراجها حيث اتت لتعيدها مرة و مرات موجات عاشقات اخريات كأنهن ينتظرن دورهن ليداعبن رمل الشاطئ, فى خضم ذلك هناك فى الارجاء اصوات لأسراب من طيور جعلتنى ادقق النظر فى ليلة مقمرة دون أن أرى لها اى اثر مع انعكاس الصوت و تردده تاه التركيز,هنا فى الايام القليلة التى تسبق ايام الخريف الاولى تنتشر شباك الصيد على طول الساحل الرملى الاصفر, وبالقرب منى انتهى هذا العجوز السبعينى منذ قليل من تجهيز شباك الصيد وأرسى اوتادها فى الأرض لتتحمل الريح على طول الأرض التى يحرسها, ليناله بعضا من طيور"الفر" المهاجرة فى مثل هذا الموسم من العام ,على مقربة من المكان كان يلملم بعض اغصان الاشجار الجافة ويقطعها بفأسه الحاده, وما ان فرغ اشعل ناروضع عليها ابريق الشاى الفضى المتشح بالسواد بفعل الدخان المتصاعد من النار فهو يستخدمه يوميا, كنت على مقربة منه و يفصلنى عنه الشارع الأسفلتي الرئيس الرابط بين شمال المدينة و جنوبها, بينما كنت جالسا , تسللت رائحة النعناع الفواحة التى تقذفها نسمات الهواء العليل و ينتهى بها المطاف لأشتمها لتشعرنى الرائحة بحاجتى فى مثل هذه الاوقات و الاجواء لكأس من الشاى المعد على نار الحطب, استأذنت دفترى و اعتذرت لقلمى و غادرتهما متجها صوب هذا الجار بالقريب الذى يرقد فى خيمة صغيرة اعدها بنفسه من القماش و عسف النخيل,وقفت عند باب الخيمة و بصوت مرتفع قليلا رفعت يدى لتحيته و مصافحته, ما كان منه الا ان قام من مرقده حيث كان يتكأ على فرشته ووسادته, والى جواره مذياع يحكى قصة حقبة من الزمان لكنه يصدح دون تعب, رحب بى وبدت عليه ملامح الوقارو الاحترام ,وهنا وجه سؤال معتاد فى مثل هذا الموقف..بماذا يمكننى خدمتك ..؟كان ردى أن رائحة النعناع المنبعث من ابريق الشاى دفعنى صوبه كى استأذنك بكأس منه , وما كان منه الا ان تناول ابريق الشاى و ايماءات وجه مبتسمة واعطيته كأسى الخاص بى و الذى احمله ضمن حاجياتى ليسكب فيه الشاى وما ان انتهى قال : لعلك ستشرب هذه الكأس ولكنك ستعتاد عليه وجه حديثه مازحا, وفى لحظات صمت قطعتها دقات ساعات "بيج بن" على المذياع لتشير الى تمام الساعة "الثامنة بتوقيت غرينتش" اى تمام ال الحادية عشرة ليلا بتوقيت فلسطين ,بدأ المذيع بقراءة موجز النشرة الاخبارية و فى خبر رئيس اشار الى غرق سفينة فى عرض البحر على متنها مئات من المهاجرين معظمهم من الفلسطينيين وبضمنهم عائلات بأكملها غرقت ولم تستطيع طواقم الانقاذ من انتشالهم, هاجروا صوب المجد القاتل ,صوب الراحة المتعبة ,صوب الحياة المجهولة ,صوب الموت المحقق غاليا.. وانعدام الافق و حتمية مصير يكتبه القدر,فى اثناء تفصيل النشرة كنا نستمع بشغف كبير لحادث غرق السفينة, جلست لبضع دقائق قبل مغادرته عائدا لمكانى, هنا خيم جو من الصمت و شعرت بصدر ذاك العجوز يضيق و بعض كلمات خرجت من فاه لم افهمها, سألته ما بك يا عمى اجابنى : وهو يشعر بإمتعاض شديد بدأ ظاهرا على تعبيرات وجه التى تؤكد أن هناك خطب ما.. وأجاب : بكلمات قليلة تحمل هما كبيرا, خرجت مثقلة مهمومة أن لى ابن هو اصغر أبنائي, ضاقت به سبل الحياة و أراد الهجرة للخارج لعله يشق طريقه و ينعم بعيش كريم ككثيرين هاجروا و استقروا و ساعدتهم الظروف و حظوظهم كى يبقوا, لقد تمكن من السقر قبل يومين وكنا على اتصال دائم معه أنا و أمه حتى انقطع الاتصال تماما, والآن اشعر بالخوف الشديد عليه و لدى مشاعر سيئة و كأن صخرة تجثم على صدرى لمجرد سماعى الخبر, ولتكن مشيئه الله بهذه الكلمات نطق لسانه, وقبل ان استأذن منه لأغادره قال: ها انا هنا منذ وقت طويل اضع شباك صيدى فى مثل هذا الوقت من كل عام لإصطاد طائر "الفر" المهاجر لفلسطين ذاك الطائر المتوسط الحجم ذو الالوان المتناسقة الذى يقطع ألاف الكيلومترات فى رحلة خطرة يمضى أياما وليال فوق البحر يطير بأسراب وجماعات منها من ينهك و يسقط فى البحر و يصبح طعاما سهلا يسيرا للمفترسات فى البحر او من طيور اخرى ,واخرون ينتهى بهم المطاف فى شباك الصيد المنتشرة على طول الساحل كأنها تنتظرهم بعدما انهكهم المسير, وهنالك الاوفر حظا من تمكنوا من عبور البحر و اجتياز شباك الصيد والوصول للوادى القريب والحقول و المزارع التى تحيط به لتسكن لبعض الوقت قبل ان تباغتها شباك المغرمين و رصاصات بندقية صيدهم ..كنت استمع لحديثه بتركيز عال, كلماته حملت هما كبيرا و ضيقا لا يوصف..واصل حديثه الشيق يشعرك بمدى فهمه وثقافته وما يتمتع به من قلب كبير و حب وعطف لا حدود لهما رغم ملامحه القاسية التى و للوهلة الأولى تعكس شعورا مغيرا تماما وبهذه الكلمات التى كنت استمع اليهن جيدا..باتت حياة هؤلاء المهاجرون ممن قضوا غرقا فى البحر "كطائر الفر" تماما, "طائر الفر" يهاجر من موطنه البارد بحثا عن دفء فلسطين, وهنا فى موطنى المهاجر يترك دفء وطنه ليهاجر لمواطن "الفر" فى رحلة هجرة عكسية يتحمل مشاقها وتعبها و عنائها من يترك موطنه وان كان باحثا عن الدفء و الأمل المفقود ورغد العيش الكريم ..!!ولو كان "طائر الفر" يعلم أن مصيره المحتوم موتا فى البحر أو فى شبكة صيد تنتظره لما آتى الى هنا..

تمت بحمد الله وتوفيقه..

×
أخبار
السجون الفيدرالي الأمريكي يضع شرطا قبل زيارة رودريغيز لمادورو في سجنه باكستان تؤكد "المضي الى أبعد مدى" في الدفاع عن السعودية صحيفة تتساءل: صمت "حماس" على الاغتيالات التزام بالهدنة أم فقد لقدرة الرد؟ القرن الأفريقي ساحة تنافس جديدة: النفوذ المتكامل لتركيا يقابله الحسابات البحرية لإسرائيل خبراء ودبلوماسيون: السعودية تعيد رسم عقيدتها الأمنية دون التخلي عن "المظلة الأمريكية" إصابات وتوغلات متصاعدة جنوبي لبنان وسط استمرار الخروقات لـ"اتفاق صيغة الإطار" سجال حول انحياز "نيويورك تايمز": الصحيفة تعتذر وتعدل مقالا حول قتلى 7 أكتوبر الشيخ يطالب بروكسل بالضغط على إسرائيل لتسهيل الانتخابات واحتجاز «المقاصة» تقرير: 3 سيناريوهات ترسم مستقبل المواجهة السعودية-الحوثية تصعيد ميداني واعتداءات للمستوطنين وقوات الاحتلال تطال محافظات الضفة والقدس الجامعة العربية ترحب بالقرار الأممي بشأن مشاركة دولة فلسطين في أعمال الجمعية العامة مركز "عدالة" يرد على طلبات شطب القوائم والنواب العرب وعوفر كسيف من انتخابات الكنيست شهيد وإصابات في خروقات إسرائيلية متواصلة بغزة وارتفاع ضحايا المباني الآيلة للسقوط شهادات ضباط إسرائيليين تكشف جرائم الذكاء الاصطناعي والنهج المتعمد لقتل مدنيي غزة مقررون أمميون: حظر 12 دولة التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية خطوة متأخرة بالاتجاه الصحيح ميرتس: لقد انتهى عهد الصداقة الأوروبية "غير المشروطة" مع الولايات المتحدة استطلاع: 71 % من الأمريكيين لا يثقون برؤية ترامب لإنهاء حرب إيران قطر تعلن توقيع اتفاقية مع الأمم المتحدة لإدخال نحو 1.3 مليون لتر من الوقود إلى قطاع غزة استطلاع: تراجع كبير لحزب نتنياهو الليكود وآيزنكوت يتقدم ..والقوائم العربية هي الحسم صفعة أممية لأمريكا..تصويت عالمي في الجمعية العامة لصالح حضور وفد فلسطين ف.تايمز: قائد الجيش الباكستاني منير يحث إيران على كبح الحوثيين باكستان تنسحب من اللعب مع إسرائيل في أولمبياد الشطرنج  تضامناً مع الفلسطينيين ترامب: أقترب من قرار حاسم بشأن الحرب مع إيران وقضاؤنا على النظام وارد النقابة: الصحفيون المرضى والمصابون في غزة يعانون ظروفا قاسية ويحتاجون إلى إجلاء طبي للعلاج قرار إسرائيلي بحظر وصول المزارعين الفلسطينيين لحقول الزيتون المصنفة "أراضي دولة" تحليل: حرب فبراير 2026 عززت موقع إيران الإقليمي وكشفت حدود القوة الأمريكية-الإسرائيلية أمريكا تمنح مسؤولين إيرانيين تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة تقرير: "تحالف مكة" يجمع القدرات الدفاعية للرياض وأنقرة وإسلام آباد دون قيادة موحدة أمريكا توافق على بيع محتمل لطائرات "إف-35" إلى السعودية بقيمة 24.3 مليار دولار التحول الديموغرافي يعيد رسم خريطة الناخبين في الولايات المتحدة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط