ليس من الحكمة اختزال صعود زهران ممداني وعبدول السيد في كونه نجاحًا انتخابيًا لشخصيتين من أصول مهاجرة أو خلفية دينية معينة؛ فالدلالة الأعمق لهذه الظاهرة تكمن في أنها تعكس تحولات متسارعة داخل المجتمع الأمريكي نفسه، وتكشف عن بداية إعادة تشكيل للخريطة السياسية والاجتماعية في الولايات المتحدة.
لقد نجح الاثنان في فرض حضورهما السياسي في بيئة انتخابية تُعد من أكثر البيئات تنافسًا وتعقيدًا، حيث يتشابك المال السياسي مع جماعات الضغط، والنفوذ الإعلامي، والمصالح الاقتصادية الكبرى. ولم يكن هذا الصعود نتاجًا للهوية أو الانتماء، بل لخطاب سياسي خاطب شرائح واسعة من الأمريكيين الذين باتوا يشعرون بأن النظام السياسي التقليدي لم يعد قادرًا على الاستجابة لتحدياتهم اليومية، من غلاء المعيشة، وأزمة السكن، وتكاليف التعليم والرعاية الصحية، إلى اتساع الفجوة بين النخب السياسية والمجتمع.
إن ما يلفت الانتباه في هذه التجربة ليس فقط القدرة على المنافسة، وإنما الجرأة في تحدي كثير من المسلمات التي حكمت الحياة السياسية الأمريكية لعقود، وفي مقدمتها العلاقة بين المال والسلطة، ونفوذ جماعات الضغط، ومنها اللوبي المؤيد لإسرائيل، والدور المتعاظم للمجمع الصناعي العسكري في توجيه السياسات العامة، ولا سيما الخارجية منها.
ولا يعني ذلك أن هذه القوى فقدت نفوذها أو أن موازين القوة قد انقلبت رأسًا على عقب؛ فما تزال المؤسسات التقليدية تمتلك أدوات هائلة للتأثير في الانتخابات، وصناعة القرار، وتوجيه الرأي العام. إلا أن ما حدث يكشف بوضوح أن قدرتها على احتكار المجال السياسي لم تعد مطلقة كما كانت، وأن المجتمع الأمريكي بدأ يفرز قوى جديدة أكثر استقلالًا، وأقل خضوعًا لسطوة المال السياسي، وأكثر استعدادًا لمساءلة السياسات التي كانت تُعامل طويلًا بوصفها من الثوابت.
ولعل الحرب على غزة كانت أحد أهم العوامل التي سرّعت هذا التحول.
فقد كشفت حجم التباين بين المواقف الرسمية الأمريكية وبين قطاعات واسعة من الرأي العام، خاصة بين الشباب والجامعات والنخب الفكرية، حيث تصاعدت الأصوات المطالبة بإعادة النظر في السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، وفي طبيعة الدعم غير المشروط الذي حظيت به إسرائيل لعقود طويلة. ولم يعد هذا النقاش محصورًا في الأوساط الأكاديمية، بل أصبح جزءًا من الخطاب السياسي والانتخابي في عدد متزايد من الولايات والمدن الأمريكية.
ومن هنا، فإن صعود شخصيات من هذا النوع لا يمثل مجرد فوز انتخابي، بل يعكس بداية انتقال تدريجي في موازين التأثير داخل المجتمع الأمريكي، من هيمنة النخب التقليدية إلى حضور أكبر للقواعد الشعبية، ولجيل جديد يحمل أولويات مختلفة ورؤية أكثر نقدًا للسياسات القائمة، سواء في الداخل أو الخارج.
ومع ذلك، فإن الطريق ما يزال طويلًا. فالتحولات الكبرى لا تُقاس بنتائج انتخابات واحدة، ولا تُحسم بصعود شخصيات بعينها، وإنما بقدرة هذه التيارات على ترسيخ حضورها داخل المؤسسات، وتحويل التأييد الشعبي إلى سياسات وتشريعات مستدامة. لذلك، فإن المعركة الحقيقية لم تبدأ بعد، وما يجري اليوم هو إرهاصات لتحول قد يعيد رسم ملامح السياسة الأمريكية خلال العقد المقبل.
إن ما نشهده ليس صراعًا بين أشخاص، بل بين رؤيتين لأمريكا: رؤية تتمسك بمنظومة النفوذ التقليدية التي تشكلت عبر عقود من تداخل المال والسياسة وجماعات الضغط، ورؤية جديدة تسعى إلى إعادة الاعتبار للديمقراطية بوصفها تعبيرًا عن إرادة المجتمع لا عن قوة النفوذ.
قد يكون من المبكر الجزم بنتائج هذا الصراع، لكن المؤكد أن الولايات المتحدة تقف أمام مرحلة مختلفة، وأن مؤشرات التغيير أصبحت أكثر وضوحًا من أي وقت مضى.
ومن يتابع هذه التحولات بعمق سيدرك أن ما يحدث اليوم قد لا يغيّر فقط شكل السياسة الأمريكية، بل قد ينعكس مستقبلًا على مقاربة واشنطن لعدد من الملفات الدولية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، التي بدأت تجد مساحة أوسع داخل النقاش العام الأمريكي، بعد سنوات طويلة من هيمنة رواية واحدة على المشهد.