تاريخ النشر: 2014-10-03 | 23:10
تاريخ النشر: 2014-10-03 | 23:10
أمد/ غزة- خاص : جلست تبحث تحت ركام بيتها عن بقايا ملابسها التي اشتريت في العيد الماضي ، لكي تختار أفضلهم ، أو تستعين ببعض ما ترك لها الغبار والدمار ، ولكن الحجارة تحطمت فوق كل شي ، وكل شيء أصبح رمادياً وباهت ، وممزق ولا تصلح الحاجة ما أفسده الخراب .
سارة في العاشرة من عمرها ، وعدها والدها اسماعيل أن يشتري لها ثوباً جديداً وحذاءً وقوس شعر ، وبعض ما تحتاجه لكي تبدو أكثر أناقة في العيد ، رغم أن المدرسة التي تأويهم تبعث الكآبة فيهم ، وتذكرهم بالمأساة التي حلت بهم ، بعد عدوان اسرائيلي شرس ، ولكن الأب الذي انتظر راتبه الشهري لكي ينفذ وعده لإبنته سارة ، تفاجأ أن الراتب ناقص مئتين شيقل ، هذا المبلغ الذي كان سيعينه على تنفيذ وعده لسارة وأخوتها محمد وأحمد ، ولكن انحباس الدمع في عين العاجز تشعره بالانكسار ، وتختطفه من قدرة التجمل ، ولا يبقى له غير الصبر.
فكر اسماعيل كثيراً بتمرير عجزه وتبرير موقفه ، وأن الراتب بعد تسديد الديون ، وشراء أدوية الأم المصابة ، وحليب أحمد واحتياجات ضرورية للحياة ، لم تبقي لسارة ولأخوته قرشاً للباس جديد ، فاللقمة أولوية ، والستر واجب ، والمأوى مدرسة لنازحين وليس لهم من بعد الله ، غير الصبر .
عاد الأب الى مدرسة الإيواء ، وفي جيبه بقايا راتب ، وفي قلبه غضب الدنيا ، وفي عينيه دمع لو تفجر ينبوعها لأغرقت يديه ، من بعد وجهه ، صوته شاحب وعرقه يرشح ، وخطواته متكسرة على عتبات الدرج الأول ، وشديد حزنه طفح عندما ركضت صوبه سارة تسأله ، اشتريت لي يا أبي ملابس العيد كما وعدتني؟ موقف لم يجعله في مكانه ولا زمانه ، كاد أن يصرخ من خاصرته ، ولكنه احتضنها بعنفوان الكاظم لغضبه ، وقبلها كثيراً وقال : "سأفعل يا حبيبتي سأفعل".!!!
الأم الجريحة ، عرفت ما في قلب زوجها ، فأخذت سارة إليها وقالت لها :" اتركي أبيك يستريح من المشوار ، وسنعرف لماذا لم يشتري لك الملابس ..".
اسماعيل يقول بصوته الشاحب ، لقد خصموا من راتبي مئتين وعشرين شيقل ، ولا أعرف لماذا
الأم : هذا عوض ما يزيدون راتبك لأنك متضرر ومنكوب ،حسبنا الله ونعم الوكيل في رئيس الحكومة
الأب اسماعيل : أنا لا أصدق ما يجري لي ، كأنهم يقصدون إهانتي ، ( شو عملت لرامي الحمدالله أنا حتى يحرمني من راتبي ويحرم بنتي من فستان العيد)
حوار طويل ومرّ بين الأب والأم ، وسارة التي تنظر إليهما ولا تفهم سوى أنها لن ترتدي فستان العيد بعد أيام ، فأخذها الحزن من قلبها الى عينيها فبكت بإستحياء شديد .
العسكري إسماعيل برتبة مساعد ، في قوات الأمن الوطني ، خدم تسعة عشرة سنة ،وكان مثالاً للعسكري المنضبط ، ويشهد له مسئوليه بذلك ، وتحمل في فترة الإنقسام الهوان الذي نزل عليه من قبل أمن حماس بسبب مواقفه المعلنة والمؤيدة للرئيس محمود عباس وحركة فتح ، ورفعه راية حركته ،حتى في زمن مداهمات المنازل .
حزنه على كسر خاطر سارة وقلة ذات اليد عنده ،لا يقل على حزنه الكبير الذي عشعش في صدره من بعد تدمير منزله الصغير في حي الشجاعية ، شرق مدينة غزة .
قرار يتخذه رئيس الحكومة ، بخصم علاوة القيادة والريادة عن العسكريين في قطاع غزة ، قد يكون في غير مكانه ولا زمانه ، خاصة وأن سكان قطاع غزة لا يزالون يبحثون عن العافية من بعد عدوان وحشي فرضه عليهم عدوهم ، وكان الحري برئيس الحكومة أن يتفقد سارة وأمثالها قبل أن يمسك قلمه ويوقع على قرار الخصم ، الذي سيحرم الطفلة من ثوب العيد!!!.
قليل من الخجل يكفي لنكون وطنيين بمستوى جرحه الكبير يا دولة رئيس الوزراء !!!.