تاريخ النشر: 2016-07-05 | 09:12
تاريخ النشر: 2016-07-05 | 09:12
كُتِب الكثير، ولا يزال، عن اتفاقيات «سايكس - بيكو» التي تصادف هذا العام ذكراها المئوية. ولا أريد، بالطبع، أن أعيد هنا كلاماً مكروراً، بل أودّ أن أربط بين الاتفاقيات وموضوعٍ يبدو بعيداً عنها أشدّ البعد: هو ما يُقال اليوم، بحقّ، عن عدم توفّر اليسار عموماً على بدائل لما هو قائم واكتفائه بالنقد والهجاء.
قصة «سايكس - بيكو» هي قصة اتفاق الفرنسيين والإنكليز والروس في العام 1916 على اقتسام تركة العثمانيين، وإضمار نيّة التنصّل من كلّ الوعود التي قطعها البريطانيون للعرب، بالاستقلال وإقامة دولتهم.
لكنّ قصةً أخرى، أزهى، اقترنت بهذه القصة الكالحة متّخذةً وجهةً مناقضةً لوجهتها، مع أنّها قلّما تُذْكَر، وإذا ذُكرَت فعلى نحو منقوص وغائم. والحدث الرئيس هنا هو كشف البلاشفة اتفاقيات «سايكس - بيكو»، من ضمن كشفهم الاتفاقات والمعاهدات السرية والمراسلات الديبلوماسية لدى روسيا القيصرية. لكن هذا الحدث لا يقف بمفرده، بل كان له سياقه ودلالته. وهذا ما يمكن اختصاره بتوفّر اليسار في تلك الأيام على مشروعه النقيض على كلّ صعيد، بما في ذلك السياسة الخارجية.
وعدت «ثورة أكتوبر» شعبها بثلاثة أشياء: «الأرض، والخبز، والسلام». وفي 26 تشرين الأول/أكتوبر تبنّى مؤتمر السوفيات «مرسوم السلام» الذي كتبه لينين، وحدد فيه جوهر السياسة البلشفية الخارجية: عدم إقرار الحكومة البلشفية شرعية أيّ معاهدة لم يُتفاوَض عليها في وضح النهار، ونشر المعاهدات الإمبريالية السرية التي أبرمتها الحكومات القيصرية، واعتبارها باطلة. وأضاف: «هذه الحكومة ترى كأكبر جريمة ضد البشرية مواصلة الحرب لغاية وحيدة، هي تقرير مَن مِنَ الأمم الغنية والقوية سيسيطر على الأمم الضعيفة... وتعلن هذه الحكومة على الملأ قرارها عقد السلم فوراً.. السلم العادل المتكافئ لكلّ الأمم والقوميات، بلا استثناء».
كان على تروتسكي، مفوَّض الخارجية في حكومة الثورة، أن يعطي معنىً عملياً لهذا المرسوم الذي جعل حليفي روسيا، بريطانيا وفرنسا، يصيحان استنكاراً. وفي 7 تشرين الثاني أرسلت القيادة السوفياتية إلى القيادة الألمانية، اقتراح وقف فوري للنار، وأرسل تروتسكي رسالة مرفقة بمرسوم السلام إلى سفراء البلدان الحليفة، طالباً إليهم اعتبار المرسوم عرضاً رسمياً لافتتاح مفاوضات سلام فورية. وفي اليوم التالي نُشرت الاتفاقات والمعاهدات السرية والمراسلات الديبلوماسية التي كشفت أطماع روسيا وسواها. وقال تروتسكي في تلك المناسبة: «إن إلغاء الديبلوماسية السرية هو الشرط الأول لسياسة خارجية شريفة، وشعبية، وديموقراطية أصيلة».
وصل تروتسكي إلى مفاوضات السلام مع الألمان في بريست ليتوفسك في 27 كانون الأول ومعه، علاوةً على ما سبق: دعاوة صريحة ضد الإمبريالية الألمانية كثّفها مجلس مفوضي الشعب؛ عضو وفد مفاوض غير روسي، هو كارل راديك (البولوني والمواطن النمساوي - المجري رسمياً) الهجّاء اللاذع الذي راح يوزّع منشوراته على الجنود الألمان علانيةً؛ فهم جديد لـ «العلاقات الحقيقية بين الدول» بعيداً عن الزخارف والكليشيهات التي «تتجرجر من وثيقة ديبلوماسية إلى أخرى»؛ إصرار على علنية التفاوض؛ فهم راديكالي لحقّ الأمم في تقرير مصيرها؛ وثقة بأنّ عالماً جديداً قد افتتحته الثورة برغم هزيمة الحرب والفقر والخراب.
كانت الثورة هي التي تفاوض. ولم تكن قد حصلت كارثة مطابقة الحزب مع الثورة ومع الدولة، ومطابقة الجميع مع الطاغية الذي بدأ مسيرةً ديدنها اللحاق بالغرب ومضاهاة أرقامه التنموية.
كان لدى اليسار، ممثّلاً بالبلاشفة الشيوعيين، مشروعهم الآخر البديل، المختلف جذرياً على كلّ صعيد.
عن السفير