تداخلت الأفكار والمعلومات لما يحاك اعلامياً بين الرئيس الفلسطيني محمود عباس وعضو اللجنة المركزية محمد دحلان ، من خلافات علنية واتهامات على وسائل الإعلام ، فجرها عباس في خطابه أمام المجلس الثوري لحركة فتح على قناة فلسطين ، ثم رد دحلان بلقاءه مع وائل الإبراشي على قناة دريم2 في برنامج العاشرة مساء، كانت تلك الخلافات وتفنيد الاتهامات ألم على ألم في قضيتنا الفلسطينية التي تتهاوى يوماً بعد يوم وتنازلاً سرياً كان أم علنياً بتوافق تفاوضي في ظل تراضي وتراخي شعبي وسط بحر من الأزمات التي تحيط فيه.
لم يترك الإعلام حديثا إلا ودار وجال في عمومياته وليس تفاصيلاً تاركا الباب موارباً تجاه القضاء الفلسطيني المشكوك في نزاهته من قبل أحد الأطراف المتصارعة ليكون الحكم العدل، رغم تلك السجالات والاتهامات التي فتحت مجالا خصبا لإسرائيل وحماس ومن اتهم من قيادات فلسطينية أخرى وعائلات تم استشهادها في قصف أو قتل هنا أو هناك بأن يستمعوا لتلك المعلومات لتبنى على من تضرر منها قضايا ودعاوى يتم تناولها وتقديمها للقضاء الفلسطيني، وبالاعتقاد البسيط أن ما ذكر من اتهامات قد لا تستوعبه السنين لحله إذا ما تم معالجة الأمور على عجل وبتدخل فلسطيني فلسطيني عاجل.
ولكن ما لا يدع مجالاً للشك في تساؤلاتنا العديدة في ما هو الداعي لشن هجوم فوري وعاجل على دحلان من قبل الرئيس ؟ ، هل لأنه مادة خصبة تركها الرئيس ليقوم الشعب بتناولها حتى يعود الرئيس من الولايات المتحدة ويتم تمرير اتفاقاً ما بحق القضية ولا يتم عرضه على الشعب بحكم انشغالاته وأزماته المتداخلة، أن هناك أسباب أخرى تجعل العقل يدرك بأن هناك أهداف بعيدة للرئيس عباس ، فهو يعلم علم اليقين بأنه اليوم في عامه 79 ولم يعد يمتلك القدرة على المواصلة في تحمل أعباء الرئاسة وأنه اليوم أو غداً سيتركها فارغة دون تعين نائباً عنه مما سيفتح المجال مفتوحاً أمام صراع طويل سيتم الدخول في متاهات التيه والتراشق الإعلامي والحملات الإعلامية لتشويه هذا المرشح أوذاك.
فمما سبق يتضح أن التهاوي الذي وحل فيه عباس هو أن تهم الفساد له ولأبناءه باتت معلنة ومفضوحة بشكل كبير وستؤثر على حياة أبناءه مستقبلياً قبل وفاته، اضافة لأنه سيكون ملاحقاً قضائياً فيما لو ثبتت عليه الادعاءات، فكان المخرج الوحيد له أن يهدم كل ما يمكنه من هدمه لدحلان ومحاربة أنصاره بقطع الرواتب التي لم تعد مجدية، فكان الخلاص به تشهيره اعلامياً وفضحه بشكل لافت حتى تشوه الصورة الذهنية لدى المواطن الفلسطيني وليزيد الحقد والكراهية بكونه رئيساً يمتلك معلومات خصبة ومؤكدة في تفكير المواطن البسيط، فيكون لزاماً عليه أن يشن تلك الهجمة ليبسط البساط الأحمر للأسير مروان البرغوثي الذي لا يختلف عنه اثنان بأنه وطني وأمضى سنوات في الإعتقال عند الإحتلال الإسرائيلي، فيقضي بذلك على آمال وطموحات دحلان إن وجدت لديه بالترشح أن يكون الصراع بينهما بشكل بارز بين فاسد ووطني كما يريد أن يوضحها وفق وسائل الإعلام ، بالرغم من خطاب دحلان حول جاهزيته للمحاكمة إن ثبتت إدانته وفق زعم عباس ، ومن الجدير ذكره أن الرئيس عباس قد ألمح مسبقاً بترشيح البرغوثي إن أرد بعد أن قال ثلاثة أعوام ونصف تكفي للرئاسة، وفقا لصحيفة الوسط البحرينية في عددها 1785 الجمعة 27 يوليو 2007م الموافق 12 رجب 1428.
وأخيراً وليس آخراً نجد أن الخلاف الشخصي للرئيس عباس هو دحلان والقضاء على أماله ، والسعي لإطلاق سراح البرغوثي بشكل جدي - رغم التعنت الإسرائيلي بإخراجه وسيتم اخراجه وفق الصفقة الرابعة وسيعتبره عباس انجازاً وطنيا ليتم استقباله بشكل حافل- هو الذي دفع عباس بالهجوم بشكل سافر على دحلان ، ليؤكد أن من سيخلفه هو مروان البرغوثي ضارباً بعرض الحائط الخلافات والإنقسامات داخل الشعب الفلسطيني بشكل عام ، وما ستؤول إليه القضية من تشرذم من انقسام داخلي بين حماس وفتح ، إلى انقسام جدري بين غزة ورام الله إن لم ترجع كفة العقل في حل الخلافات ، وستتعمق هوة الخلاف بشكل أوسع وستهل كارثة لم يحمد عقباها على الشعب الفلسطيني.