تاريخ النشر: 2021-04-04 | 06:26
تاريخ النشر: 2021-04-04 | 06:26
ليلة الرابع من نيسان رأيت كابوساً في منامي، "بأن محمد سمور الذي تحدثت عنه سابقاً قد حضر لزيارتي في القاهرة وأحضر لي هدية هي بمثابة بنطلون جينز؛ ولكنه مزنر بقماش الكاكي العسكري، فقلت له: شو هالبنطلون يا محمد؟! ضحك وقال شكلك مش عارف انه أحلى ما في البنطلون هو الكاكي؛ كما شاهدت أخته التي استشهدت لاحقاً في الانتفاضة الأولى، وهي تعمل في مصنع، وفجأة أمسك سير أحد الماكينات شعرها وسحبها حتى توفيت"، استيقظت من هذا الكابوس متشائماً وتوقعت بأن خطباً ما سيحدث، لم أذهب للجامعة، وخرجت دون هدف، عدت بعد العصر للشقة، دقائق وإذا بالباب يطرق، خرجت وإذا بصديق من الجبهة على باب الشقة يُسلمني البرقية التي وصلتهم وتطلب منهم إبلاغي بالسفر إلى بيروت بسبب "وكان هناك كلمة مشطوبة" بشير "مرفقة"، وبدأت رحلة معاناة جديدة وهي كيف سأسافر وأصل بيروت لأعرف ما حل ببشير، وأملي الوحيد بأن يكون مازال حياً؛ وأن استدعائي ربما لأنه مصاب ويحتاج أن أكون بجانبه، فأنا الوحيد من خارج الأرض المحتلة وفي دولة قريبة يمكنني الحضور بسرعة حيث إن سمير كان قد بدأ دراسته بجامعة هاڤانا بكوبا، وباقي الأهل في غزة.
شعرت أن الحياة قد توقفت، وليس أمامي سوى أن أطارد الزمن، حتى أتمكن من الحضور الفوري كما أكدت البرقية التي وصلتني، فيما يبدو أن قلب الموظف الذي استقبل البرقية وانسانيته لم يحتملا هذا التبليغ القاسي؛ فقرر على مسؤوليته أن يشطب تلك الكلمة الأكثر قسوة في الحياة، بل ولا تعني سوى توقفها، ربما أراد أن يحمي روحي من انهيارها، ويعطيني فرصة لامتصاص هذه اللحظة الموجعة حد الموت وما دونه.
بدأ زملائي في السكن يرفعون من معنوياتي، وبدأت بوضع خطة الاتصالات لصباح اليوم التالي كي أتمكن من الوصول إلى حيث كان بشير شهيداً أو جريحاً. ذهبت في اليوم التالي لمكتب منظمة التحرير حيث كان المرحوم الأستاذ مجدي أبو رمضان عضواً في تنفيذيتها مقيماً في القاهرة، ويتردد على مكتب التنفيذية بالقاهرة، وكذلك المرحوم سعيد كمال الذي كانت تربطه بأجهزة الدولة المصرية علاقات جيدة، وقد طلبت منهما مساعدتي بالحصول على وثيقة سفر للوصول إلى دمشق ربما للاطمئنان على بشير أو المشاركة في تشييع جثمانه، استمرت جهود ووساطات الحصول على وثيقة سفر للاجئين الفلسطينيين أسبوعاً كاملاً، فنحن طلبة غزة نحمل فقط بطاقة إقامة، رغم أن قرار منح اللاجئين هكذا وثيقة هو قرار من الجامعة العربية، حيث كانت مصر تصدرها لجميع أبناء وبنات القطاع، وسوريا تصدرها للمقيمين في سوريا، وهكذا لبنان والعراق، بينما الأردن كانت تصدر جوازات سفر أردنية للفلسطينيين في المملكة سواء المقيمين في الأردن أو في الضفة الغربية باعتبارها كانت جزءًا من الأردن، حتى اندلعت الانتفاضة فأعلن الراحل الملك حسين فك الارتباط معها، ولكنه لم يلغِ حق فلسطينيي الضفة من جواز السفر الأردني، وهي خطوة تقدّر له وللأردن مهما كانت تأويلات أسباب ذلك القرار.
أخيراً حصلت على الوثيقة المصرية التي تمنح للاجئين الفلسطينيين، ولكنها مؤقتة وسارية فقط لمدة ثلاثة شهور ولسفرة واحدة. وصلت دمشق في أول طائرة متوجهة إليها، كان الوقت بعد الظهيرة، توجهت فوراً لما كان يعرف بمكتب الأرض المحتلة الكائن في حي المزة بدمشق، لم يكن هناك أي من المسؤولين. فقط كان حارس ومراسل يقدم الشاي والقهوة، جلست في صالة انتظار حتى ما بعد الخامسة حيث حضر شخص تبدو عليه الصرامة، ولم يتحدث بكلمة واحدة، وحتى اليوم لا أعرف إن كان عرف من أنا في تلك اللحظة أم لا، فقد دخل مكتبه وأغلق الباب على نفسه. علمت فيما بعد أنه عصام عبد اللطيف، ثم بدأ الآخرون الذين يعملون في هذا المكتب يحضرون واحداً تلو الآخر: أبو ليلى، ثم مصطفى جفال، وآخرون، ثم حضر خليل الذي سبق وقابلته في القاهرة وهو "سميح خليل"، وقد علمت فيما بعد أنه الابن الأصغر للسيدة سميحة خليل، من دون الآخرين عانقني بحرارة وقال: البقية بحياتك، أجبته وأنا أشعر بدوار: ليش هو مات؟
شعر خليل بالصدمة، وقال: أنت ما حد خبرك، ليش انت مش جاي من بيروت؟ أجبته وكمن يحاول ألا يصدق أو لا يريد ذلك: لا، وصلت قبل ساعتين قادماً من القاهرة.
كم شَعر بالارتباك! وقال: "اعذرني، فكرتك جاي من بيروت، على الأقل لم أكن أرغب بأن أكون من يصدمك بهذا الخبر".
وهكذا بهذه الطريقة، أحسست بتعاطفه الإنساني، ومن تلك اللحظة نشأت علاقة شخصية قوية معه، حتى وفاته قبل سنوات بمرض السرطان. إذن بشير استشهد، وليس جريحاً كما حاولت أن أوهم نفسي أو كما حاول موظف البرقيات أن يخفف عني تلك الصدمة. جلست وأخذت نفساً عميقاً وحاولت أن أكون رابط الجأش متماسكاً، ولكنها النار تحرق القلب وتجفف الدموع. خرج الجميع ليقدموا العزاء وحاولوا التخفيف من الصدمة، وبدأت الاتصالات لتأمين وصولي لبيروت. علمت حينها أن والدتي وأخي منير قد تمكنا من الوصول من غزة وكذلك أهل عبير، وأنهم شاركوا في التشييع المهيب الذي جرى في بيروت حيث مقبرة الشهداء في برج البراجنة.
كان علي أن أتوجه فوراً إلى بيروت لأكون مع والدتي ومع عبير زوجة بشير التي طالما حدثني عنها الشهيد في رسائله، إلا أن هذا يتطلب ترتيباً خاصاً، بل ويتطلب إصدار بطاقة عسكرية من منظمة الصاعقة؛ ولا أدري لماذا من هذه المنظمة! جرى اتصال مع صديق لبشير اسمه عبد الوهاب النوايسة، لإصدار هكذا بطاقة، في الأثناء علمت أن والدتي قد عادت من بيروت وذهبت هي وأخي منير إلى بيت أهلها وشقيقها خالي عبد الكريم في مدينة حمص، كانت الساعة قد قاربت على العاشرة مساءً عندما أوصلني أحد الرفاق لكراج سيارات حمص في دمشق، وصلت بعد منتصف الليل لبيت خالي عبد الكريم؛ وهو الشقيق الوحيد لأمي، وكان قد عاد مؤخراً من الكويت حيث عمل لسنوات طويلة، ليستقر في سوريا، ولكن أحداً لم يكن في البيت، انتظرت مع السائق برهة من الوقت دون أن يأتي أحد، ثم ذهبت لفندق في مدينة حمص، لم تغمض عيناي ولو دقيقة واحدة، عدت لبيت خالي مع الفجر لعل أحداً يأتي ويدلني أين أم بشير لأخفف عنها حزنها المجلل بغار غياب أجمل من في حياتها وحياتنا؛ ابنها البكر بجمال ابتسامته.
انتظرت حتى أشرقت الشمس ولا أحد في المنزل، ولم يأتِ أحد حتى السادسة والنصف صباحاً، حيث وصل شخص وفوراً قال مندهشاً: جمال؟ أجبته ببرود ؛نعم أنا جمال.
فأنا لا أعرفه ولم ألتقِ به يوماً في حياتي، عانقني بحرارة وقال: أنا خالك عبد الكريم.
قلت: "وين أمي؟"، فتنهد وقال: "يا الله كم تشبه بشير يا خال!"
فهو يعرف بشير جيداً، وكان بشير قد زارهم عدة مرات بما في ذلك في الكويت أثناء دراسته في بغداد؛ وتابع: والدتك طلعت من حمص عصر أمس متوجهة لدمشق ومنها لعمان دون أن تبيت في أي منهما، وستتوجه مباشرة لغزة، فقد أصرت أن تعود بسرعة لإخوتك وأخواتك ووالدك الذي منع من السفر.
وقتها علمت أن والدي وعمي عبد الحميد وعمي أبو مصطفى كانوا قد حاولوا الوصول لبيروت مع أمي ومنير بعد أن أبلغتهم الجبهة باستشهاد بشير من خلال اتصال جرى مع د. حيدر عبد الشافي، ولم يتمكن سوى والدتي ومنير من الوصول لبيروت، بينما عاد الثلاثة لغزة "يروون الدالية والزيتونة كما كتب ميشيل النمري في رثاء مؤثر لبشير على غلاف مجلة الحرية"، بعد أن أعادت اسرائيل والدي وأعادت الأردن عمي عبد الحميد ثم رفضت السلطات السورية إدخال عمي أبو مصطفى.
عدت إلى دمشق، وكانت بطاقة الصاعقة قد جهزت، وتم نقلي عبر ما يسمى بالطريق العسكري إلى جنوب لبنان عبر جبال الباروك، وصلت ليلاً وكان في انتظاري الرفيق أبو محمود الفوريكي، وكانت بوسترات الشهيد بشير والشهيد فايز أبو حميد تملأ المكان، وقد أمن أبو محمود وصولي صباح اليوم التالي إلى بيروت لمقر قيادة الجبهة في عمارة رحمة بالفكهاني، وأيضاً كانت جدران شوارعها مليئة بملصقات الشهيد بشير وابتسامته الجميلة وعيونه الأجمل تنظر إلي، وكأنها تسألني لماذا تأخرت؟ كنت واثقاً من أنه يعرف أن من سجنوه وطردوه هم من حالوا دون وصولي في موعد يمكنني من عناقه وإلقاء نظرة الوداع الأخيرة عليه، وذرف الدموع التي يستحقها، ولأكون مع أمي أخفف من حزنها.
نقلني الرفاق إلى بيت الرفيقة فادية "ماجدة المصري" حيث كانت عبير ومنذ استشهاد بشير تقيم معها في بيتها القريب من الملعب البلدي في منطقة الفكهاني، وقد حدثتني عبير، وهي مليئة بالحزن، عن والدتي وكيف ظل حزنها صامتاً في داخلها، وكما ذكرت فادية أنها عندما كانت تشعر بالحاجة للبكاء تذهب للحمام، كي لا ترى عبير دموعها. وقد ظلت تردد بذهول خاصة للرفيق ممدوح الذي كان يزورها مواسياً: "أنا مش زعلانة إنو استشهد فهذا طريق الأبطال؛ أنا والله بس زعلانة لأنو استشهد قبل ما يشوف الدولة اللي كان يظل دايماً يحكيلي عنها".
آخ با بشير لو تعرف كم صارت هذه الدولة بعيدة، بل وربما صعبة المنال! في نفس اليوم ألحيّتُ على الذهاب لمقبرة الشهداء، إلا أن توتراً أو ربما كان اشتباكاً مع حاجز للصاعقة بالقرب من مفرق الملعب البلدي حال دون وصولنا لمقبرة الشهداء في نفس اليوم، فنصحني الرفاق بتأجيل زيارة الضريح لليوم التالي.
وصلنا مقبرة الشهداء التي تضم في ثراها أغلى أمانة وضعها الفلسطينيون في بيروت حتى تكون في مقدمة العائدين يوماً، وهي تتسع يومياً في حرب كانت مفتوحة، وقد اؤتمنت على خيرة الرجال والنساء الذين ضحوا بأرواحهم/هن من أجل فلسطين وترابها، ودفنوا على تخومها، بانتظار أن تُنقل رفاتهم يوماً إليها، وتُشاد النصب لإحياء سيرتهم وذكراهم العطرة في مدنها وبلداتها وقراها. وقفت أمام الضريح، غير مصدق بأن بشير الذي كان ينبض بالتحدي والحياة والثقة الحتمية بالحرية والخلاص من ظلم الاحتلال، هو الآن تحت هذا الثرى، وفي ذلك الضريح الذي يسجل أنه ولد في فلسطين عام 1950، واستشهد دفاعاً عن الثورة في عام 1978. ولم يكن بشير المناضل المشتبك والحالم قد تجاوز الثمانية و العشرين عاماً بكل تلك المسيرة الصاعدة حتى الشهادة. كنت أتمنى أن يكتب على ضريحه ولد بعد النكبة في مخيم الشاطئ فجر يوم الاثنين السابع والعشرين من نوڤمبر عام 1950 واستشهد من أجل فلسطين وحرية شعبها ظهر يوم الثلاثاء الرابع من نيسان 1978، فسيرة مثل هؤلاء الأبطال وتضحياتهم والدروس التي قدموا في حياتهم من أجل فلسطين وشعبها والإنسانية وتحقيق العدالة فيها؛ تحسب بدقائق الساعات والأيام.
وقفت أمام هذا التاريخ الذي عشته مع بشير وأنا طفل؛ فلم أكن قد تجاوزت العاشرة، وهو لم يكن قد بلغ السابعة عشرة عندما غادر المخيم بعد الاحتلال في صيف 1967، قطع نهر الأردن متسللاً إلى عمان، ثم عاد بعد أسابيع قليلة بنفس الطريقة وغادر ثانية، نعم لم يكن قد بلغ السابعة عشرة عندما قرر الخروج من أجل استكمال دراسته الثانوية في ضيافة عمي أبو هشام في قطر، ومن ثم الالتحاق بالجامعة في شبين الكوم بمصر، فالتحصيل العلمي هو رأس مال اللاجئ حتى يعود إلى بلاده وأرضه التي هجر منها، ومن أجل استكمال هذا التعليم على درب العودة والحرية، تعرض بشير وهو في العشرين من عمره لإبعاد من مصر، تلاه بعد ثلاث سنوات ترحيل آخر من العراق ثم من سوريا، وتخللها زيارة للأهل في فلسطين واعتقال وترحيل وإبعاد، الاعتقال الأخير له كان وهو على مقعد الامتحانات في كلية الهندسة في جامعة دمشق، لإتمام وعده لأمه وأبيه، نعم اعتقل بشير وهو يحاول أن ينهي المواد القليلة التي تحول دون نيل شهادة الهندسة، فقط ليؤكد أن خيار التفرغ في قوات الثورة لم يكن بسبب فشل في الجامعة، والتي حالت أنظمة القمع للمناضلين دونها، وقد كان ملصق استشهاده الأول الذي يعلق على جدران كلية الهندسة التي كان ينتظر التخرج منها، فتخرج شهيداً كما كتب لي قبل أيام الصديق نبيه محمد نبهان، وأنا أضيف: "بأنه تخرج بوسام أشرف من كل أنظمة البوليس التي طاردت روحه حتى صعدت للسماء على يد قنابل سيدهم الأمريكي والتي ألقاها طيار اسرائيلي مجرم من طائرته الحربية القاذفة". مرت في شريط ذاكرتي كلماته الشجاعة في مجمع التحرير وهو يرفض محاولات إذلال المناضلين ويتوعد بالحساب، وعناقه الطويل لي في مطار القاهرة قبل أقل من عام، ونعم، لم أكن أعرف أن هذا العناق سيكون الأخير، فلم أتمكن من عناقه حتى في وداعه الأخير، ربما هو كان يعلم، فطريق النضال الذي اختاره بشير هو طريق القلة القليلة التي تبنى على أكتافها وتضحياتها الأوطان، كما كتب لي قبل حوالي العام. بقيت متسمراً أمام الضريح المجاور والملاصق لضريح رفيقه فايز أبو حمد "شاكر خزعل" ابن برج البراجنة الذي سبقه للشهادة بأيام، بينما أتأمل تقاسيم وجهه الجميل المرسوم على ملصق ملون بألوان العلم الفلسطيني، ظهر في مخيلتي مشهد توحد شباب وصبايا الشاطئ وهم يهتفون معاً مع شباب وصبايا مخيمات لبنان وكل مخيمات اللجوء والتشرد: "بالروح بالدم نفديك يا شهيد... بالروح بالدم حنكمل المشوار". كانت اليافطة التي تحمل اسمه ما زالت معلقة على أشجار المقبرة، يتقدمها شعار: لا صوت يعلو على صوت تحرير الجنوب، الذي كان شعار مسيرة التشييع، وقد ظل هذا السؤال في عقلي يكبر يوماً بعد يوم، فصحيح أن بشير استشهد في جنوب لبنان وفي معركة شرسة قبل أيام من استشهاده، والتي كتب عنها رفيق دربه ورفيق السلاح غسان عبود، استمرت لعدة ساعات في منطقة حاصبيا في القطاع الشرقي للجنوب، وكان يصدّ ورفاقه تقدم قوات العدوان الاسرائيلي الغازية لأرض الجنوب، ولكنها معركة مواجهة اسرائيل التي اغتصبت أرض فلسطين وتستهدف القضاء على شعبها وثورتها، وظل هذا السؤال يكبر في عقلي وهذا الشعار ينضج في طريق النضال الذي أثمر بعد عشر سنوات بأن "لا صوت يعلو فوق صوت الانتفاضة" التي مهدت لها تضحيات كل الشهداء من الأغوار في معركة الكرامة، ومعارك التصدي للغزو الإسرائيلي في الجنوب، وفيما بعد حصار بيروت عام 1982، وصمودها أكثر من ثمانية وثمانين يوماً في مواجهة محاولات إسقاط المنظمة وتصفية الثورة ونهوض شعب الانتفاضات التي تتالت فيما بعد كأنها بروڤات صغيرة لانتفاضة كبرى قادمة كان قد كتب عنها وتنبأ بها جميل هلال قبل ثلاثة أشهر فقط من اندلاع الانتفاضة الكبرى في التاسع من ديسمبر 1987، مشيراً أن هذا يتطلب قيادة وطنية موحدة لقيادة نضالات الشعب الذي سينتفض، وهكذا تماماً كان، فبروح الوحدة التي جسدتها دورة المجلس الوطني لاستعادة وحدة المنظمة، كان شعار "لا صوت يعلو على صوت الانتفاضة"، والاعلان عن ارادة الشعب بتأسيس القيادة الوطنية الموحدة.
تلك الوقفة أمام ذلك الضريح يعلوه ذلك الشعار وملصقات الشهداء كانت حاضرة في الثامن من يناير عام 1988 عندما كُتب واعتُمد، ومن ثم طُبع ووُزّع بيان الانتفاضة الأول والذي سجل في التاريخ "نداء رقم 2" لتكون الثورة الفريدة دون بيان رقم 1، ذلك تجسيداً لمتطلبات الوحدة فالبيان رقم 1 هو بيان استشهاد حاتم السيسي وقبله العمال الأربعة الذين داستهم شاحنة مستوطن اسرائيلي، وبيان استشهاد جيفارا ومحمد صالح وعبد الحميد الجمل ومحمود جدوع وحسين حماد ومحمد جوده، وغسان كنفاني وماجد أبو شرار وأبو على إياد، والحاج سامي أبو غوش وخالد نزال، وشيخ الشهداء عبد القادر الحسيني والشيخ عز الدين القسام؛ هو بيان انطلاقة الثورة وكل فصائلها، هو بيان نعي شرف الطيبي وصائب دهب ولينا النابلسي وشادية أبوغزالة ودلال المغربي، وكل شهيدة وشهيد على درب الثورة والانتفاضة وحرية الشعب وعودته.
عدنا عبير ومحمد سمور وأنا وعدد من الرفاق والرفيقات؛ أذكر منهن المناضلة أمل المصري إلى بيت فادية، وتجرأت على السؤال كيف استشهد بشير، حينها علمت أنه بينما كان عائداً من اجتماع مع قوات الطوارئ الدولية "اليونيفيل" اصطدم بسطاره بقنبلة عنقودية صغيرة ملتصقة بتراب الجنوب فانفجرت وأودت بحياته، وهي بالقوة التي كسرت مسدسه ولم تفلح محاولة إسعافه فصعدت روحه شهيداً، وليبقى هذا الجرح كما جرح آلاف الشهداء مفتوحاً إلى أن يتحقق حلمهم بالنصر أو الشهادة دونها.
مكثت في بيروت عدة أيام التقيت خلالها بابن عمي صلاح الذي كان قد حضر متطوعاً من ليبيا، ويذكرني "بأنه طلب أن يفرز على القطاع الأوسط لانه علم من أصدقاء له في الديمقراطية أن بشير فى القطاع الأوسط، وقبل استشهاده بيومين ومن خلال الرفاق فى القطاع الأوسط تكلم معه عبر اللاسلكي واتفقا على اللقاء يوم الجمعة فى بيروت، وقد أخفى الرفاق فى الديمقراطية كما يقول صلاح خبر استشهاد بشير، وأبلغوه بذلك في الساعة الواحدة ليلاً من صباح الجمعة، فتوجه فوراً إلى الدامور، حيث استقبله هناك الرفيق سالم دردونه، ثم أوصله لبيت فادية في الرابعة صباحاً، وحوالي الخامسة والنصف من صباح الجمعة وصلت والدتي ومنير، وكانت طيلة الوقت متماسكة إلا أنها عندما رأت صلاح انهارت بالبكاء" ويضيف صلاح: "وهكذا للأسف التقينا الجمعة كما اتفقنا، ولكن لوداعه الأخير".
تعرفت أيضاً خلال تلك المدة القصيرة جداً على أجمل الرفاق وخيرة الأصدقاء أبو ربيع وسالم دردونه وفادية وغيرهم من الرفاق، ورافقني فيها يومياً ابن مخيم الشاطئ الشاب الملئ بالوفاء محمد سمور. وكان علي أن أعود بسرعة للقاهرة؛ فالسنة الدراسية لم تكتمل، وبعدها يجب أن أعود إلى غزة حيث أمي وأبي وأهل المخيم يروون الدالية والزيتونة، ولم أكن أعلم ما ينتظرني في أقبية لاظوغلي من مفاجآت ستغير من مسار ومجرى حياتي كلها.
(34)
غادرت بيروت، وأنا في طريق عودتي للقاهرة، شعرت وكأن قطعة من قلبي بقيت هناك في مقبرة الشهداء، فلا أكاد أصدق أن بشير الأخ الأكبر، والذي كان قدوة ونموذجاً لنا بإرادته وصلابته الشخصية والسياسية، وابتسامته النابعة من قلب صافٍ وحنون، بات مجرد ذكرى أو إبتسامة على صورة صمّاء لا حياة أو حركة فيها، رحل بشير هكذا في غمضة عين، وتوقفت مع رحيله مطاردات أنظمة البوليس التي رغم تناقضاتها السياسية والفكرية إلا أنها كانت تتلاقى في ترحيله وإبعاد خيرة الفلسطينيين من عواصمها. على الأقل هو الآن يخلد في راحة أبدية من قرارات ترحيل ربما كانت ستعدّ له من هذه العاصمة أو تلك، أو اعتقال ومطاردات في زنازين وسجون هذه العواصم الثورية التي كانت تعد انقلابات أنظمتها من أجل تحرير فلسطين، تمتمت في نفسي معزياً حالي.
كانت زيارتي الخاطفة لبيروت مليئة بالقهر والحزن والفقدان المؤلم. في الأيام التي كنت أزور الضريح مع محبيه تارة وخلسة كي أحدثه وحدي مرات أخرى، كانت أم فايز أبو حميد، مواظبة على البقاء عند ضريحه، وكي نكون واقعيين، فصحيح أن رفاق الدرب والأصدقاء الأوفياء سيواظبون على افتقاد رفاقهم الشهداء، هذا صحيح، ولكن حرقة قلب الأم واشتعال النار في صدرها لا يمكن أن يضاهيه ألم من أي كان حتى الأخ الشقيق.
في آخر زيارة لمقبرة الشهداء قبل مغادرتي بيروت، ودعتها، ودون أن أوصيها بشئ قالت لي والدة الشهيد فايز: "ربنا معك يا ابني وقلبي مع أمك. فالنار اللي جواها ما بيعرفها حد مثلي ومثل كل أم فقدت كبدها، أغلى الناس في حياتها، إبنها"، وبينما كانت الدموع تملأ عينيها أضافت "سلم على أم بشير وقل لها ما تقلق على القبر يا بنيي، هذا أمانة في رقبتي طول ما أنا عايشة راح أدير بالي عليه زي ابني الله يرحمهم وان شاء الله الجنة مثواهم"، بهذه الكلمات الصافية والموجعة ودعت بيروت، وبحزن يماثل الكون بثقله أيضاً ودعت عبير ورفاق بشير، وعدت للقاهرة. "
*بشير زقوت استشهد في الرابع من نيسان 1978 و هو يتصدى مع قوات الثورة الفلسطينية للعدوان الاسرائيلي على جنوب لبنان.


