تاريخ النشر: 2014-07-12 | 01:42
تاريخ النشر: 2014-07-12 | 01:42
إلى أسطورة غزّة
ليلة البارحة :
وضعت السحور على المشمّع ، وأشارت إليه ليأكل . وضع المصحف على يمينه بعد أن قبّله ، وكان آخر ما تلاه سورة الزلزلة.
كان القصف في كل الأنحاء ، والسراج ينوس وتخفق ذبالته من تصادي الدّويّ العنيف . لعله اعتدل في وقفته وهو يتذكّر كيف حملوه غارقاً بدمه ، أيام تلك الانتفاضة.
خطا أو كاد ، فتفشّت الجحيم ودبّت القنبلة ، وما زالت الطائرة تئزّ فوقهم .
تمزّق الرجل وانشرخ ألف ألف شظيّة ، وانطفأ السراج. لكنّ صحن الزيت والزعتر فاض بالدم الساخن، ولم يتخثّر ، بل ظلّ يومض بضوء الانفجار.
*
قبل ربع قرن:
حمامةٌ تمدّ عنقها في بياض الليل ، تتخيّل كيف ستتمطّى غضاريفها لتصبح باقراً يجرف ويذرذر ويسحق ، حتى بلوغ الغفوة . .
وهذه ليست صورة عن الفحولة ، بل هي عناد الوجود ، وموطنه الأول .
أما الحوذيّ فلم يركب حصانه بعد ، ولم يمتحن نبتةَ الأصيص ، كان على موعد مع وجه البلّور ، بعد عامٍ أو أقل ، ولم يكن يدري أنهم سيجتثّون قصب السكّر من الحقل .
*
كان في الصيف الأول من المسيرة الهائلة المتأججة بالأناشيد والرايات ، وراح حيث تسير الأقدام ، وحدها ، إلى موقع الاشتباك . . أشعل الفتيانُ إطارات عبّاد الشمس ، ووضعوا الحاويات ستائر حديدية تقيهم شرّ الدُمْدم والرصاص المقنّع بالبلاستيك الأسود ، وأقاموا المتاريس الصخرية ، وابتدأت حصة أخرى في يـوم دراسي دامٍ من أيام سنة الانـتفاضة الجامعة . كان يقذف الحجارة ، ويتقافز كالنسر بين موجات الغاز ورشّات الرصاص ، وكان لا يلوي على جريح قبل أن يسدد الحجر جيدا ، كأنه يقول في نفسه : الثأر أولاً . . وسالت جبهته كأعراف الخيل بالندى أو الشّهد ، وتعكّر دمه بالطحين الخانق ، ولفّته الدنيا بأعاصيرها الشرسة ، وعلت به حُمّى العاصفة ، كأنما اختلط الجمعان بين يديه ، واصطهدت الساحةُ ، تبشّر بالقيامة . . وسقط كأن ثلجاً ينزّ أسفل بطنه ، فارتخى على الأرض.
*
ربما استيقظ ، وربما رأى الملاءات البيضاء ، ووجه الممرضة ، وأحس أن قطناً صلباً يمسك أعضاءه ، فتجمدت شفتاه ، وخاف أن يكون ما كان بالفعل .
ولم تفلح كلمات الأطباء في شرح الحالة ، وأن ثمة أملا بعيداً . . بارقاً بأن الحال ستعتدل ، وستعود الأفعى إلى فحيحها الناعم .
نسي كل معاني النضال والوطن ، ولم يستطع أن يواسي نفسه ، أو يعزّي الموعد القريب ، ورفض أن يزوره أحد .
نقلوه مع جرحى آخرين في سيارة الإسعاف ، إلى مشفى في بلد قريب ، وهناك ، وبعد الفحص والمعاينة والتبؤّر في التقارير والنتائج المخبرية ، أيقن أنه سيفقد الرجل وإلى الأبد .
بعد خروجه من المشفى ، حجّ إلى بيته كل الناس مهنئين ، وفجأةً أعلن والد خطيبته أن العُرْس سيكون الخميس القادم . أما هو فلم يدرِ ما يقول ، وأصاب الحرج أهله ، واختلط صوت التهاني بالزغاريد المقطّعة الخجولة .
وحده ، كان يتحسس البقعة المعطوبة ، ويدرك كم سيكون مخذولاً . . والعرق البارد يتصبّب من جبينه .
لكن والد عروسه وأهل البلدة حملوها إليه ، وطبعت بالعجين ورقة الليمون على بوابة الدار ، ودخلت .
وبعد غيمتين من الأغنيات ، وقف السؤال بينهما ، وسط فوضى الحرير ، وشعاع العطر الساطع !
*
نام ، أو هكذا تراءى له ، لكنّ طيراً شبّ من بين فخذيه ، أيقظه ، ونهض به . . وسار أمامه إلى حيث كان النبض يتحرّق بالكمثرى ! ، حطّ عليها وأخذ منها أوصالها ، وشرب آخر قطرة من نرجسها ، كأنه أيّل فرّ من براري كنعان ، قبل أربعين قرناً ، يصل الآن إلى جدوله المسحور .
اشرب أيها الأيّل من رقرقة الكريستال السائل ، تلمّظ بسواحل الابطين ، وارشف ريحانة هذا المخضلّ بدمع الحبق ، وتزيَّا بعنف الصقر ، يا سيد الغابات المحترقة ! ! أيها الناجي الوحيد من اكتمال الليل المبهم ! أيها المُغنّي على ضفّة النارين بالناي الجليل . اشرب أيها الأيل من صحن البيت المليء بدهن السراج الممهور بالحرقة وزيت الشهاب .
اتبع أيها الأيل ذيل النجمة وبوصلة النيازك ، واحمل هداياك من حقلك الليلي إلى كهف النهار . . وادخل بقرنيك المتشعّبتين حتى أنسجة المستحيل ، وأعلن هناك مذبحة الخوف ، فالقيامة ممكنة ، وها هو البوق يصوّح في الأشهاد . . فاتبع شبق الأعناق الطائرة إلى سكّر النار .
وستكون لي فرحة العرائس ، وأنا ادخل بردَ الجدران وسحورَ الدم الحرام .