تاريخ النشر: 2017-06-30 | 13:20
تاريخ النشر: 2017-06-30 | 13:20
كان النظام الجمهوري الروماني معقدا جدا و يعتمد علي سلسلة قوية جدا من الإجراءات تمنع ظهور أي ديكتاتور محتمل .... فكانت (روما) تتمتع بمجلس تشريعي قوي من غرفتين (مثل معظم النظم الحديث) كما أن القنصل (المنصب الموازي لرئيس الجمهورية) كان يتم إنتخابه سنويا (ليس كل 4 أو5 سنوات) و عرفا لم يكن مسموح للقنصل بأن ينزل الإنتخابات أكثر من مرتين (و إن كانت تلك القاعدة يتم كسرها أحيانا) ..... الأدهي أنه لم يكن يتم إنتخاب قنصل واحد ... بل إثنين في المرة حتي لا يستبد أحدهم برأيه .... دعك اصلا من أن فكرة أن يستبد أحدهم برأيه كانت ضربا من الخيال في ظل وجود مجلس تشريعي قوي و لكن كلها كانت إحتياطات مبالغة برأيي لمنع ظهور الديكتاتور
و لكن كل هذه الإجراءات لم تمنع ظهور الديكتاتور و تلقي النظام الجمهوري الطعنة تلو الأخري من نخبته السياسية حتي جاءت نهايته علي يد (كايس يوليوس) .... أو (يوليوس قيصر) كما نعرفه
من أين تبدأ قصة سقوط الجمهورية الأولي في التاريخ؟؟؟
من الصعب أن نقول من بدأها فأنت تتحدث عن سلسلة طويلة من الأحداث بدأت قبل صعود (يوليوس) للحكم بحوالي 90 عاما
بدأت مع ظهور جنرال روماني عتيد (كايس ماريس) .... و بالمناسبة تقريبا كل الرومان في تلك الفترة اسمهم (كايس شئ ما) فكايس هذا مثل أحمد أو محمد عندنا
و كما نعلم فجنرالات (روما) كانوا حكامها عادة ..... و ظهر (ماريس) في وقت كانت (روما) تعاني من حرب طويلة الأمد ضد النوميديين في (أفريقيا) و كان الرومان بحاجة إلي أعداد كبيرة من المجندين و لكن لم تكن تلك الأعداد متوفرة لديهم بسبب نظام التجنيد الصارم في (روما) و الذي لا يجند سوي أصحاب الأراضي و يكون مطلوبا من هؤلاء بجوار خدمتهم فلي الجيش أن يصرفوا علي تسليحهم و تدريعهم .... فبالنسبة للروماني القديم كانت الجندية (شرف و رجولة فعلا)
فقام (ماريس) بتغيير النظام بما يسمح بتجنيد جميع مواطني (روما) و يكون المقابل لتجنيد الفقراء مقابل مادي يدفع من الغنائم التي يغتنمها الرومان بعد إنتصاراتهم و التي يقوم القائد (و هو ماريس في هذه الحالة) بتوزيعها بنفسه
و هنا تأتي الطعنة الأولي للنظام الجمهوري الروماني الصارم ..... فالجندي أصبح ولاؤه لقائده و ليس لبلده
كانت السياسة الجديدة لماريس ناجحة .... فحقق نجاحا باهرا في (نوميديا) و إستطاع سحق التمرد هناك
و بدأت إنتصارات (ماريس) تتوالي
فبعد الإنتصار علي النوميديين ظهر خطر وجودي هدد (روما) للمرة الأولي منذ إنتهاء الحرب البونيقية الثانية .... قبائل التيوتن الجرمانية
و مرة ثانية كانت إنتصارات (ماريس) حاسمة
ثم قبائل ال(الكمبري) الجرمانية أيضا و كالعادة لم يخيب (ماريس) ظن الرومان
و مع كل إنتصار كان يتم إنتخاب (ماريس) قنصلا مرة أخري .... مرة تلو الأخري حتي بلغت 6 مرات ... و بالطبع كسر (ماريس) العرف الروماني و الذي يمنع إنتخاب قنصل أكثر من مرتين متتاليتين
و كانت هذه الطعنة الثانية للنظام
و الان نحن في 91 ق.م و الوضع أسوأ
فالكثير من المدن الإيطالية التي لا يحظي سكانها بالمواطنة الرومانية قررت الثورة ضد (روما) طلبا لحقوق متساوية مع الرومان و اندلعت الحرب الأهلية و لكن (ماريس) كان قد كبر و تدهورت صحته كما أن مجلس الشيوخ وجد أن 6 مرات قنصل كافية جدا و أن هذا الوضع سيخلق ديكتاتورا لذا فلم يشارك (ماريس) كقائد في الحرب الأهلية و بدأ نجم جديد يبزغ علي الساحة الرومانية .... أحد تلامذة (ماريس) المخلصين .... جنرالا جديدا كان نجمه سيبزغ علي الأقل قبل 10 سنوات لولا (ماريس) ....
و هو (لوشيس كورنيلس سولا)
و اثناء إندلاع الحرب الأهلية في شبه الجزيرة الإيطالية وجد ملك (يوناني) الفرصة سانحة له كي يستقل باليونان و الأناضول عن (روما)
إضطر (سولا) للوصول إلي إتفاقية سلام مع سكان المدن الإيطالية (نادرا جدا ما يلجأ الرومان لها و لكن الظروف حتمت هذا) ... إتفاقية رضخت (روما) بموجبها لسكان المدن و أعطتهم حقوق المواطنة كاملة و كل هذا من أجل شحن جيش جديد و الذهاب لليونان لمحاربة الملك الإنفصالي الجديد (ميثريداديس)
و بعد نجاح (سولا) في حسم المعارك في (إيطاليا) تم إنتخابه كقنصل كما قام مجلس الشيوخ بتسميته كقائد للجيش الذي سيذهب لليونان لمحاربة (ميثريدايدس)
و الان نحن سنة 88 ق.م و المشاكل الكبري ستبدأ
فبدأ الساسة الرومان الإلتفاف حول متطلبات سكان المدن الإيطالية و تفريغها من مضمونها و ظهر سيناتور روماني و هو (سولبيكيس روفوس) و حاول الدفاع عن متطلبات الإيطاليين
قبل الإستطراد هناك معلومتين يهمك أن تعرفهما
الأولي هي أن هناك عراف ما قابل (كايس ماريس) يوما ما و تنبأ له أن سيحقق رقما قياسيا و سيصبح قنصل (روما) لسبع مرات (و حتي الان الرجل لم يتم إنتخابة سوي 6 مرات فقط فتتبقي له مرة حتي يحقق نبوءة العراف)
المعلومة الثانية و الأهم هي أن (ماريس) كان يمثل القطاع الروماني الشعبوي ... فلم يكن من النبلاء .... أما (سولا) فكان من طبقة النبلاء الرومان .... لذا كان الأول متعاطفا جدا مع طلبات باقي المدن الإيطالية عكس (سولا)
و اجتمع (سولبيكيس) مع (ماريس) و تم الإتفاق بين الإثنين
فماريس يبحث عن مجده الأخير .... المعركة التي ستقوده لكرسي القنصل للمرة السابعة تحقيقا لنبوءة العراف إياه
و سولبيكيوس يبحث عن تحقيق امال باقي سكان إيطاليا
إستطاع (سولبيكيوس) إقناع مجلس الشيوخ بإقالة (سولا) من قيادة الجيش الروماني في (اليونان) و إعطاء المهمة لماريس و بالفعل تم إرسال رسل مجلس الشيوخ لإبلاغ (سولا) بقرار العزل
و لكن
فالطعنة الأولي التي وجهها (ماريس) منذ اكثر من 18 عاما بحسن نية للنظام الجمهوري لازالت مؤثرة .... فالجنود مع (سولا) ولاؤهم له و ليس لروما و مجلسها التشريعي
رفض (سولا) الإمتثال للأوامر و قتل الرسل الذين حملوا الرسالة و من 6 فيالق رومانية كانت معسكرة إستعدادا للذهاب لليونان سحب (سولا) 5 فيالق و
و قرر الزحف علي (روما) لقتل البطل الشعبوي (ماريس) و الذي أنقذ (روما) أكثر من مرة .... سيقتل (ماريس) و يعزل مجلس الشيوخ و يوقف العمل بالدستور
اي أن الرجل سيقوم بتنفيذ إنقلاب عسكري مكتمل الأركان
و فعلا زحف الرجل علي (روما) للمرة الأولي
طبعا هتقولي المرة الأولي إزاي .... ما هي حصلت كثير
حصلت كثير بعد أن قام (سولا) بفعلها و لكن قبله لم تحدث أبدا
و كانت هذه هي الطعنة الثالثة و الأكبر
سيبدأ (ماريس) في تنظيم صفوفه داخل المدينة معتمدا علي العبيد و الفقراء و سكان المدن الإيطالية .... و لكن كعادتهم و كما خذل الغوغاء دائما و أبدا الأبطال الذين يدافعون عنهم سيخذل كل هؤلاء (ماريس) أو كما قال الشاعر للحسين رضي الله عنه
قلبوهم معك و سيوفهم مع بني أمية
و لكن العجوز المخضرم لن يستسلم
فسيستطيع الهرب
و ستحقق نبوءة العراف
فسينتخب (ماريس) بعدها ببضعة أشهر قنصلا للمرة السابعة و الأخيرة
و لكن تلك قصة أخري