تاريخ النشر: 2016-11-12 | 11:13
تاريخ النشر: 2016-11-12 | 11:13
بعبارات العتاب المُغلف بالحسرةِ، وبمزيدٍ من الحزنِ، وبكثيرٍ من التغني بالمجدِ المغدور، عَبر قادة الرأي، والمدونين، في الذكرى الثانية عشرة لرحيل رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات، عن عمق الحزن الذي يخيم عليهم في ظل غياب ياسر عرفات، فالبعضُ يلوم عرفات لأنه رحل، وآخر يسألهُ عن حالتهِ، وعن حلمِ الوطنِ، فيما البعض الآخر يطلبُ مِنْهُ العودة من جديد، والبعض يرى أن رحيله قد يُستخدم في إطار الابتزازٍ السياسِي. ويأتي هذا كله في ظلِ هذا المأزق التاريخي من حياة الشعب الفلسطيني، فلماذا لم يطالبوا حماس والرئيس عباس بالتنازل عن أحلامهما الخاصة لصالح الوطن؟!، ولماذا لم يقف أحد من الناس يطالب الذين ذهبوا وعادوا من العين السخنة في مصر، لتقديم تقرير عن زيارتهم وماذا جرى هناك ؟!، لماذا لم يهتم الناس بكل هذا وسيطرت عليهم ذكرى الراحل ياسر عرفات بهذا الشكل ؟!
وللإجابة عن هذه الأسئلة، علينا الإقرار بأن المواطن الفلسطيني أصبحَ لا يعترفَ بزعامةِ أحد من القوى السياسيةِ الفاعلةِ في المشهدِ وغير الفاعلة، وعدم صلاحية القيادةِ للشعب، كون الجميع أضحوا في قفص الاتهام، فالناس في حقيقة الأمر لا يشعرون أن هناك حلاً قد يأتي به تيارٌ سياسيٌّ ما، أو في رجل بعينه، لأنهم فقدوا الثقة في الكل. والشواهد اليومية على ذلك كثيرة، كما أن غياب الزعامة والحلم الموحد للشعوب، من شأنه أن يحول كل فرد في الشعب إلى دولة مستقلة غير معنية بالشأن العام، فالمواطن سوف يدفع الضرائب، وسيلعنك ألف مرة من خلف ظهرك، سوف تقوم السلطات المحلية برصف الشوارع، والمواطن لن يتردد لحظة في تكسيرها أو تخريبها لمصلحته الفردية، وسوف تُعاقب الناس على سرقة الكهرباء، ولكنهم سوف يقومون بذلك حتماً حين تسنح لهم الفرصة، الناس سوف تعيش مع اليوم وسوف تفكر فقط في مستقبلها بشكل فردي، ولن يعنيها كثيراً المجتمع، سوف تجد الناس تسرق أدوار الآخرين في المعبر، في الوظائف، في الحقوق العامة والخاصة، وتتاجر بشكل خفي وعلني في ذلك .. سوف تجد الناس تكتب وتلعن بأسماء مستعارة، وتجدها تفكر في الهروب لأنها فقدت الأمل، وكثيرة هي الشواهد في هذا السياق، لكن خلاصة القول أن الدولة برمتها، بدون هبل سياسي، وخربشة قانونية وتخلف في التحليل، هي عبارة عن تجمع بشري اختار فيما بينه وتوافق على قيادة لحماية مصالح أفراده والعمل على إيجاد قانون يسمح بالانسياب والتكاثر الطبيعي لهذا التجمع البشري وفق نظام يضمن المصالح العليا للمجتمع، وهذا يحتاج باختصار شديد لتوافق على الزعامة والقيادة، والتوافق على آليات نقلها، وهذا يتبع ببساطة قدرة هذه القيادة على إعمال القانون الذي بدوره ينظم حياة الأفراد في هذا المجتمع، لا أن تصبح الدولة كيان منفصل عن الناس، تختص بمجموعة من الناس وتتركز الموارد والقوى في يد زمرة طاغية، تستخدم كل المجتمع كعبيد يؤدون أدواراً مرسومه وأخرى عشوائية.
إن عدم التفاف الناس حول القيادة الحالية وعدم اعترافهم بها، لا يأتي من فراغ، ولا يأتي من مزاجية خاصة، بل يأتي رداً على ممارسة هذه القوى على الأرض، ومدى مصداقيتها، ومدى قدرتها وحيويتها في التفاعل مع المشهد الفلسطيني لصالح الفلسطينيين ككل وليس وفقاً لأجندات حزبية خاصة وضيقة، إن مناداة جثة الرئيس ياسر عرفات والبحث فيها عن بقايا زعيم ليس ضرباً من جنون، بل هو دليل على غياب القيادة عن المشهد السياسي والاجتماعي والثقافي في فلسطين. وعلى الرغم أن الكثير لم يكن متوافقاً مع سياسة الرئيس عرفات، ومختلفاً معه، ولكن الجميع أقر بزعامته، فسلاماً لجثة مازالت تثير الجدل وتحرك الأحياء.