امتنعت سلطنة عمان عن المشاركة في عملية عاصفة الحزم بقيادة السعودية, ما أثار العديد من التساؤلات حول أسباب المعارضة والامتناع لدي الكثير من الأوساط. وفي هذا المقال سيتم توضيح الموقف العماني تجاه عاصفة الحزم, ولمعرفة هذا الموقف يتطلب تبيان بعض النقاط الرئيسية والأساسية من الناحية الجغرافية والسياسية لدى سلطنة عمان.
تعتبر سلطنة عمان إحدى دول مجلس التعاون الخليجي الذي أعلن عن إنشائه في مايو 1981, بهدف تحقيق التعاون بين دول الخليج الستة وتنمية العلاقات فيما بينها وتحقيق التنسيق والتعاون والترابط والتكامل في مختلف المجالات, لما تحظى به منطقة الخليج العربي من أهمية استراتيجية كبرى في العالم لموقعها الجغرافي الاستراتيجي وأهميتها الاقتصادية كونها أهم مصدر ومستودع للنفط. تقع سلطنة عمان في الجهة الجنوبية الشرقية من شبه الجزيرة العربية, وضمن أغنى المناطق انتاجاً للنفط. يحدها من الغرب السعودية ومن الجنوب الغربي اليمن ومن الشمال الغربي دولة الإمارات, كما أنها تشترك في التحكم بمدخل الخليج العربي والمحيط الهندي وإشرافها على مضيق هرمز, والذي يعتبر ممراً لتصدير النفط للعالم ما جعلها تتميز بأهمية استراتيجية كبيرة.
لقد شكل هذا الموقع الاستراتيجي أهمية بالغة في السياسة الخارجية العمانية وتعاملها مع الكثير من قضايا وتطورات المنطقة, كما أنه انعكس على طبيعة صانع القرار السياسي وتوجهاته في السلطنة. لقد انطلقت السياسة الخارجية العمانية من خلال الثوابت والمرتكزات التالية: أولاً: اعتماد منهج التخطيط المسبق المدروس, ثانياً: الالتزام بالموروث الديني والحضاري, ثالثاً: الانتماء للأمة العربية والاعتزاز بها, رابعاً: الموقع الجغرافي المتميز, خامساً: الاستفادة من التاريخ, سادساً: عامل الشخصية وصانع القرار السياسي العماني, سابعاً: اعتماد الحوار البنّاء, ثامناً: الاعتماد على الثوابت الداخلية كمحرك للثوابت الخارجية, تاسعاً: السياسات الدولية مبنية على المصالح, عاشراً: الحرص على البناء المجتمعي المتماسك, الحادي عشر: الحياد الإيجابي. هذه الثوابت والركائز في السياسة الخارجية العمانية تعتمد بشكل رئيسي على توجيهات السلطان قابوس بن سعيد البوسعيدي, رأس الدولة وأعلى سلطة.
تعرضت منطقة الخليج العربي للكثير من الأزمات والتحديات منذ عقود, أهمها الاحتلال الإيراني للجزر الإماراتية, والحرب العراقية – الإيرانية 1980, وحرب الخليج الثانية 1991, والاحتلال الأمريكي للعراق 2003, كما أنها تأثرت بالحركات الاحتجاجية في الوطن العربي 2011, واستمرار الصراع العربي – الإسرائيلي, فقد شكلت هذه الأزمات تهديد صريح لأمن واستقرار دول مجلس التعاون الخليج العربي, نظراً للتطورات الاستراتيجية التي صاحبتها بظهور قوى إقليمية تتنافس فيما بينها في المنطقة وفق أجنداتها وطموحاتها ومخططاتها. لقد شكلت إيران منذ القدم مصدر خطر وتهديد وقلق لدول الخليج العربي لأطماعها العدائية بالسيطرة على المنطقة ودول الخليج مستغلة البُعد المذهبي لإحداث التوترات والاضطرابات داخل دول الخليج العربي سواء بالتدخل المباشر أو الغير المباشر. فمنذ الاحتلال الأمريكي للعراق وسقوط النظام العراقي 2003, بدأت إيران بالتمدد والنفوذ بشكل كبير وواضح من خلال دعمها لحكومة المالكي في العراق, وزاد هذا التمدد مع بدء الحركات الاحتجاجية في العديد من الدول العربية, من خلال دعمها للحركة الاحتجاجية في مملكة البحرين وخطابها العدائي تجاه النظام السياسي والملك البحريني, بالإضافة إلى دعمها للحوثين في اليمن منذ بدء الحراك الشعبي ومساندتهم في انقلابهم على الشرعية في سبتمبر 2015, ما دفع الملك عبدالله بن عبد العزيز إلى طرح فكرة الاتحاد الخليجي في ديسمبر 2011 نظراً لحجم التحديات والتهديدات الذي أصبحت دول الخليج العربي تتعرض له سياسياً واقتصادياً وأمنياً واجتماعياً, وبطبيعة الحال ستحدث هذه التحديات خلل في دول الخليج العربي.
إلا أن سلطنة عُمان اعلنت في منتدى الأمن الخليجي الذي عقد في العاصمة البحرينية في ديسمبر 2013, أنها لن تكون جزءاً من الاتحاد الخليجي إذا ما تم, كما أنه لوح بإمكانية الانسحاب من مجلس التعاون في حال أصرت دول الخليج العربية على تنفيذ الاتحاد الخليجي, هذا الرفض العُماني له أسبابه المتعلقة بطبيعة السياسة الخارجية العُمانية.
أما فيما يتعلق بعملية عاصفة الحزم وهو ما يهمنا, فقد اتخذت دول مجلس التعاون قراراً بتنفيذ عملية عسكرية ضد الحوثيين في اليمن لانقلابهم على شرعية الرئيس عبد ربه منصور هادي وعلى مخرجات الحوار الوطني وعلى اتفاق السلم والشراكة وعلى المبادرة الخليجية, وذلك استجابة لطلب الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي, إلا أن سلطنة عمان امتنعت عن المشاركة في العملية إلى جانب دول المجلس والدول العربية, ما أثار العديد من التساؤلات عن أسباب رفض المشاركة. إن رفض وامتناع سلطنة عمان عن المشاركة في التحالف الذي شُكل خليجياً وعربياً تحت اسم عاصفة الحزم راجع لعدة أسباب يمكن توضيحها كالتالي: أولاً: الاستمرار في السياسة الثابتة التي تنتهجها السلطنة القائمة على عدم التدخل في شؤون الدول الأخرى والنأي بالنفس عن أي صراعات سواء إقليمية أو دولية, ثانياً: إبقاء باب المفاوضات مفتوحاً ومتاحاً من خلال لعب دور الوسيط لإنهاء الصراع في اليمن, ثالثاً: مشاركة عمان لليمن في الحدود والتداخل الجغرافي والتشابك الديمغرافي والمصالح الاقتصادية, رابعاً: ارتباط عمان بعلاقات وثيقة مع إيران, ما يمكن أن يجعل إيران بوابة للتفاوض تُشكل ورقة ضغط قوية على الحوثيين, خامساً: أن سلطنة عمان بلد سلام ومحبة.
إن الموقف العُماني من عملية عاصفة الحزم, لا يعني أنها تناصب العداء والخلاف مع بقية دول مجلس التعاون الخليجي, ولا يعني أنها تعارض السياسة السعودية وتقف ضدها, ولكن هذا الموقف مُعتمد في أساسه على ركائز وأسس سياستها الخارجية منذ أن تولى السلطان قابوس بن سعيد مقاليد الحُكم عام 1970, فقد أشار في أحد خطاباته بـ "إننا جزء من هذا العالم نتفاعل مع ما يدور حولنا من أحداث بكل إيجابية والوضوح ونكرس كل إمكانياتنا للمشاركة الموضوعية والفاعلة لخدمة قضايا السلام والتعاون على كل المستويات الإقليمية والدولية", فقد وضع السلطان قابوس بن سعيد معايير تتخذها وزارة الخارجية للتحرك على المستوى الإقليمي والدولي.
إن السياسة العُمانية وموقفها ورفضها المشاركة في عاصفة الحزم لا يعني بأي حال من الأحوال أنها تغرد خارج سرب دول مجلس التعاون, وأنها لا تُلقي بالاً واهتماماً لكافة أشكال التهديدات والأخطار المحيط بدول الخليج من قبل إيران وتدخلها المستمر وخطاباتها العدائية وأطماعها التوسعية تجاه دول الخليج, ولا يعني أن عُمان في منأى عن تلك المخاطر والتهديدات وأن جبهتها الداخلية آمنة, ولا يعني أنها غير مكترثة بما يدور في منطقة الشرق الأوسط من تغيرات استراتيجية أدت إلى تبدل الأدوار والقوى وظهور قوى إقليمية جديدة وتغير في التوازنات والتحالفات والأقطاب واتساع رقعة خطر الجماعات الإرهابية, لكن ما يميز السياسة العُمانية أنها قائمة على مبدأ الحياد الإيجابي وعدم الانحياز, مستفيدة من حسن العلاقات مع العديد من الدول الإقليمية والدولية, ما جعلها تحظى بالقبول لدى الكثير من الأطراف والدول والمجتمع الدولي, في القيام بلعب دور الوسيط والاشتراك في حل العديد من الأزمات التي تعرضت لها المنطقة, وهذا الأمر نابع من الحرص العُماني على اتباع سياسة متوازنة مع الجميع بما يخدم مصالحها وتطلعاتها وطموحاتها, إلى جانب حرصها على حفظ التوازن والأمن والاستقرار في منطقة الخليج العربي. إن السياسة العُمانية قائمة على الحياد الإيجابي وعلى مبدأ الحوار البناء بين كافة الأطراف المتنازعة, وملتزمة بالحفاظ على الأهمية الاستراتيجية لمنطقة الخليج وتهدف إلى تحقيق الأمن والاستقرار لشعوبها واحترام المصالح والأهداف المشتركة لدول مجلس التعاون. فقد عبر السلطان قابوس عن ذلك في خطاب له في العيد الوطني الخامس للسلطنة, إذ قال: "إن أمن المنطقة كل لا يتجزأ واستقرارها مسؤولية كل الحكومات وشعوب المنطقة". إن السياسة العُمانية تتصف بالمرونة والفهم للأحداث بعيداً عن أي تأثيرات, خدمة لوحدة الصف العربي وتوثيق العلاقات مع الدول العربية في إطار احترام سيادة هذه الدول. ويمكن القول بأن الموقع الجغرافي كان له دور مؤثر في سياسة عُمان الخارجية وأسلوبها في التعامل مع الكثير من القضايا الخليجية للحفاظ على الأمن والاستقرار في منطقة الخليج العربي.