تاريخ النشر: 2023-02-25 | 19:31
تاريخ النشر: 2023-02-25 | 19:31
حرب لا تشبهها إلا وقائع الحرب العالمية الثانية أو الحروب بين الدول الأوربية في قرون سابقة.. 8 مليون أوكراني مهجر ومئات آلاف القتلى على ضفتي جبهات القتال.. فيما نشطت المصانع الحربية، لضخ أحدث منتجاتها، ويسيل لعاب شركات العتاد العسكري على استمرار الحرب، أما شركات النفط العملاقة فقد واتتها الفرصة السانحة والمؤسسات الاقتصادية على صعيد التغذية فلقد نشب أنيابها في قوت الناس وقدراتهم الشرائية.. وعلى صعيد آخر تتوالى الحملات العقابية لإسقاط الاقتصاد الروسي والضغط عليه لتصبح روسيا في شبه عزلة دولية تمهيدا لإسقاطها.. كل دول الغرب حاضرة في ساحة المعركة بالعتاد والخبراء والمال والضغوط.. ولكن هناك في مكان ما تغييرات جوهرية في الخرائط والتحالفات تنتظر ترسيمها بين روسيا وحلفائها والغرب وتابعيه.. هناك تغيير مناهج ورؤى وأولويات ومآلات.
وقائع الأزمة: محليا وأوربيا وعالميا:
اقتصاديا وسياسيا وامنيا ألقت الأزمة الأوكرانية بثقلها بحديث أصبح كل قديم على هذه المستويات قابل للتبدل او التعديل مما سينتج عنه تغيير في خرائط سياسية وتحالفات إقليمية ودولية ومهما كانت النتيجة النهائية للازمة فان عالما جديدا سنشاهده بعد الانتهاء من الأزمة تلك النهاية الخطيرة التي تحمل في جنباتها احتمالات فاجعة لأحد الطرفين وممكن جدا لكليهما.. فروسيا تدرك ا ن اي خطوة تراجع تعني نهاية روسيا كدولة فيما تدرك قيادة أمريكا وحلفاؤها ان صمود روسيا الى أمد بعيد يعني تفكيك القوة الغربية وانهيارات مدوية في الاقتصاد الغربي والمجتمعات الغربية من هنا بالضبط نحن ازاء معركة صفرية وفي هذا الإطار نعرض للوقائع على الأرض.
على صعيد أوكرانيا: أكثر من ثلث الشعب الأوكراني نزح من بيوته أما الى الداخل الأوكراني او نحو أوربا فلقد سجلت منظمات خاصة باللاجئين ان تعداد من فر من أوكرانيا يزيد عن 8 مليون شخص.. وذلك في ظل حملة دعائية وترحيب أوربي واسعين باللاجئين الأوكران في محاولة لدمجهم في سوق العمل والمجتمعات الجديدة.. في الحين الذي لا يمكن فيه إغفال ما تعرضت له البنية التحتية في أوكرانيا الى ضربات عنيفة تصاعدت في الآونة الأخيرة.. بل واكثر من ذلك ان أصبح مصير البلد مرهونا بشد الحبال بين الروس والغربيين.
وفي أوربا: أدت الأزمة إلى ارتفاع الأسعار في مجال الغداء والدفء والملجأ حيث ارتفعت قيمة الفواتير في أجور النقل والمواصلات والوقود والكهرباء وكذلك في التكاليف المعيشية وهذا ينسحب على معظم دول العالم والتأثير يبلغ حدته على الطبقات الأكثر فقرا.. وهذا يؤدي بالفقراء لتقديم تنازلات قاسية على صعيد المشتريات وتقليصها او النهوض لاحتجاجات وهكذا تصاب عجلة الاقتصاد بظلال سوداء على مستوى النمو والبطالة والتضخم..
ولا يتوقف الأمر على أوربا فمؤشرات منظمة الأغذية الدولية تفيد ان الأسعار سترتفع الى 45 بالمائة هذا العام وهذا حتما سيؤدي الى إفقار ملايين الناس في الدول ذات الدخل المنخفض أو المتوسط. وكانت هذه الدول عرضةً للمجاعة والتخلف وفقدان الإمكانات المادية لسد جوع الملايين كما حاصل في كثير من دول افريقيا واسيا وهذا من جهة أخرى يعمل على تباطؤ التجارة العالمية وهبوط العملة وتراكم الديون.
لقد فاجأتنا الأزمة الأوكرانية بحجم اعتماد أوروبا الرئيسي على موارد الطاقة الروسية على مدار عشرات السنين، 36% من احتياجاتها من الغاز في عام 2021، بالإضافة إلى 30% من الفحم و10% من النفط الخام. فألمانيا-على سبيل المثال- يأتي 65% من احتياجها للغاز من روسيا، في حين تستورد إيطاليا 43% من احتياجها من روسيا. وكل محاولات البحث عن بديل للمصدر الروسي تبدو هزيلة ودعائية أكثر منها حقيقية وينكشف ذلك في الحياة اليومية للمواطن الأوربي والمؤسسات الأوربية الذي يلمس ذلك بشكل مباشر حيث يحضر السؤال الملح الى أي مدى تتحمّل العائلات والموظفين؟ وما هي النتيجة لو حصل "ترشيد" في استخدام الطاقة في القطاع الصناعي؟ حسب التصريحات الأخيرة للقادة الأوربيين الحكوميين؟ ما هي الآثار المتوقعة عن ذلك على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي.
الأمن الغذائي العالمي: شكلت الحرب الأوكرانية تهديدا حقيقيا للأمن الغذائي العالمي ليس فقط بخصوص الحبوب بل وكذلك بخصوص الأسمدة حيث تنتج كٌل من روسيا أوكرانيا ثلث صادرات العالم من الأمونيا والبوتاسيوم الضرورية لصناعة الأسمدة، فضلًا عن كونهما سلة خبز العالم بتصديرهما نحو 30% من القمح والشعير و65% من زيت بذور دوّار الشمس و15% من الذرة... ولهذا ارتفعت الأسعار الى حدود50 بالمائة بخصوص الأسمدة و40 بالمائة بخصوص الحبوب في العقود الآجلة.. وهذا سيعرض مناطق الحروب كسورية واليمن بشكل خاص بنتائج الارتفاع في الأسعار بل ان الارتفاع سيؤثر على أقاليم عديدة لاسيما المنطقة العربية وأفريقيا.. ومن المحتمل ان تزداد الأزمة نظرا الى عدم قدرة المزارعين الأوكران على مزاولة مهنتهم وكلك نقص الأسمدة... مما يرشح أسعار الحبوب الى ارتفاع إضافي في العام القادم.. ويتواصل تأثير ارتفاع الأسعار ليصل الى قطاعات حساسة في التجارة الدولية فشركات تصنيع السيارات وهي تشعر بالقلق تفطر برفع الأسعار الى حدود 25 بالمائة نتيجة ارتفاع سعر المواد الأولية من نحاس والألمونيوم والفولاذ .. وهنا ستولد طبقات موردين غير السابقين وتتشكل مجموعات دولية بقوانين جديدة للتخزين والاستيراد والاستحواذ الأمر الذي سيقدم دولا ويؤخر أخرى ويعيد تشكيل أطراف التجارة الدولية من جديد بمعنى محدد أننا إزاء عصر جديد من إدارة سلسلة التوريد للمواد الأساسية في عالم الصناعة..
كما يتضح كذلك ان كثيرا من الإجراءات العقابية التي اتخذتها اوربا ضد روسيا انعكست سلبا على الاقتصاد الأوربي نرى ذلك بوضوح في معايير التكنولوجيا العالمية حيث انسحبت كثير من الشركات الغربية العملاقة من روسيا بشكل كبير او على الأقل قلصت خدماتها في حين حاولت شركات أخرى تنتمي الى مناطق أخرى ملء الفراغ والاستمرار في عملها ولم ينعكس ذلك بعمق في مسار التكنولوجيا والاتصالات في روسيا بمقدار ما الحق بالشركات المنسحبة خسائر فادحة سينعكس على قدرتها على التعويض حيث ستلجأ الى رفع قيمة خدماتها في المناطق التي تعمل فيها.
وهذا جميعه مع الخسائر المالية الضخمة التي منيت بها البنوك الأوربية والتي هي الأكثر تضررا من أثار الحرب الأوكرانية ورغم ما تتمتع به المؤسسات المالية الدولية العملاقة من راس مال قوي وأسس متينة تمكنها من استيعاب الخسائر إلا أن استمرار الأزمة سيلقي بثقله عليها وستصبح في حالة نزف واضطراب يتفاعل مع النتائج في متوالية هندسية في عدة قطاعات كجمود المدفوعات وتخلف قطاع الظل المصرفي عن سداد الائتمان وهذا سيشكل تهديدا حقيقيا لأسعار الأصول في النظام المالي العالمي.فلقد" دقّت أسواق الخزينة الأمريكية ناقوس الخطر بتصريحها عن بداية الركود بين 12 و18 شهرًا بمجرد هبوط منحنى عائد الخزانة، متبوعًا بالخسائر في الائتمان. ولا شك أن ذلك يشكل خطرًا على البنوك التي بدأت العديد منها بتخزين الاحتياطي لمواجهة هذه الحالة،" .. ولقد دقت وزير الخزينة الأمريكية ناقوس الخطر بان الدين العام على الدولة الأمريكية تجاوز 31 تريليون دولار وهو المسموح به قانونا.. وحتى الآن لم يهتد الأمريكان الى صيغة قانونية لتجاوز المأزق كما ان احتمال فوز الجمهوريين بالرئاسة في العام القادم قد يعصف برؤية بايدن بخصوص أوكرانيا وحلف الناتو وكثير من القضايا السياسية والمالية بل والاجتماعية.
الإنفاق على العسكرة في أوربا: ومن المجالات التي وجهنها الأزمة الأوكرانية انهماك 15 دولة من دول الناتو لزيادة الإنفاق العسكري حيث تخطي ما تعتزمه الدول نسبة 2 بالمائة المطالبة بها في الضخ داخل قوات الناتو.. كما ان كثيرا من الدول هرعت لشراء الأسلحة من مصانع السلاح المتطورة في أمريكا وسواها للدفع بها في حرب أوكرانيا حيث لا تستطيع هذه الدول تغطية الحاجة لدرجة ان مسؤولين أوربيين كبار أعلنوا انه لم يعد في خزائن اوربا العسكرية ما يكفي لحرب كبيرة ومن هنا القي التحدي مرة أخرى على الاقتصاد الغربي الذي عاش عقودا طويلة لاسيما بعد انتهاء الحرب الباردة في تخفيض الإنفاق على الجانب العسكري محولا الموازنات الى مشاريع استثمارية عملاقة في مجالات عديدة
وحسب " استبيان ماكنزي العالمي" حول" آراء المسئولين التنفيذيين"، :"أدت الحرب إلى حالة من التقلبات في المخاطر التي يشهدها قادة الأعمال في النمو الاقتصادي. وكشف استطلاع الرأي أن المخاطر الجيوسياسية احتلت المرتبة الأولى بوصفها التهديد الأكبر على النمو، متفوقةً على أزمة كوفيد-19 ومسألة التضخم."
وتؤدي الاضطرابات الراهنة إلى تعطيل حياة المجتمعات وسبل عيشهم بصورةٍ كبيرة، ويتعين على الشركات أن تأخذها بعين الاعتبار في التخطيط لجميع السيناريوهات المحتملة، فكلما استمرت الحرب ازدادت معها قوة الاضطرابات وتداعياتها وتأثيراتها على الناس.
على الضفة الأخرى من الأزمة:
من غير الموضوعي لقراءة تتقدم لتصور مآلات الصراع الدائر ان تتجنب الحديث عن التفاعلات في الداخل الروسي وعلاقاته بالازمة وما ارخت من ذيولها على السياسة والاقتصاد والعلاقات وفي الجملة ماهي حقيقة الوضع في روسيا؟
بلاشك تكون المقاطعات والعقوبات المتتالية على روسيا وتحريض دول العالم للقيام بمقاطعة روسيا لدرجة استغراب الاوربيين لعدم استجابة الصين لجملة العقوبات.. صحيح ان هذه العقوبات اثرت على قطاعات حيوية في الاقتصاد الروسي بل وعلى صناعة الاسلحة في روسيا الا انه لابد من ملاحظة عدة تطورات على المشهد الروسي تبدأ من تفعيل جيشها المترهل بعد عشرات النسين من انتهاء الحرب الباردة.. فصحيح ان لدى روسية قاعدة عسكرية متطورة نوعيا وكميا ولكنها لا تحظى بجيش في مستوى الاسلحة ولقد شهدت شهور الحرب الاولى ارتباكا كاد يقضي على قوة دفع الهجوم الروسي ومن هنا يمكن ملاحظة التطور الحاصل وتفعيل قطاعات الجيش من خلال التدريب بالرصاص الحي في الميدان ولعل الجيش الروسي الان اكثر فاعلية وانسجام داخلي وارتقاء لمستوى ترسانته العسكرية..
الملاحظة الثانية لم يتأثر كثيرا المخزون المالي لدي الروس فهم قد استفادوا من رفع الاسعار للمحروقات كما استطاعوا فتح اسواق جديدة واعدة قابلة للتوسع بخصوص منتجهم الطاقوي وقد اظهروا لياقة عالية في محاولة كسر الطوق الغربي بانعاش علاقاتهم مع الدول الافريقية والعربية حيث ابدى كثير من الدول العربية حتى التي كانت تحسب على قائمة اصدقاء امريكا كثيرا من التعاطف مع الروس وعدم الانخراط في عملية خنق الاقتصاد الروسي تجلى ذلك في رفض السعودية بزيادة ضخ النفط.
واضح ان الروس لم يخفوا من البداية هدفهم المحدد وهو كسر هيمنة امريكا وايقاف سيطرتها على القرار الدولي ولكن الان تطور الهدف الى ان مرحلة اخرى وهي ان الانتصار على الرغبة الغربية عملية ترتبط بالوجود الروسي.. فليس مسموحا الان التراجع خطوة الى الوراء لان ذلك يعني انتهاء روسيا كدولة وهذه العقيدة الأمنية السياسية يتم الترويج لها الآن على قاعدة الاختلاف الإيديولوجي والقيمي بين حضارة الغرب التي يقودها بايدن وقيم الكنيسة الأرثوذكسية التي يروج لها الان في روسيا من قبل مفكرين وقادة سياسيين.
اتفق مع القول بان اوكرانيا خرجت من مسرح التقسيم والخرائط وان المواجهة الان تقترب شيئا فشيئا الى ان تكون وجها لوجه مع الغرب واتفق مع الرأي بأن اوربا لن تستطيع ان تواصل في حرب طويلة لما يلقيه ذلك عليها من تبعات اجتماعية واقتصادية قاسية جدا.. أما الموقف الأمريكي فهو رهين بالموقف الداخلي الذي بدا يتململ رافضا دفع فاتورة الحرب من جيوب الفقراء و على حساب قطاعات الخدمات المتعددة.. كما ان تهديد ترمب واحتمال قدومه يعني بوضوح فشل الهجمة الأمريكية الحالية.. ولعل هذا وحده ما سيجنبنا معارك اخطر قد تصل الى استخدام أسلحة إستراتيجية.
الفرصة التاريخية:
مع استمرار الحرب لسنوات عدة ستكون فرصة تاريخية للشعوب المستضعفة والدول المكبلة للتمرد على عمليات نهبها واستغلالها وإذلالها، بعد سنوات قليلة من الحرب المرهقة سيكون بمقدور كثير من الدول البحث عن مصالحها بعيدا عن السير في الفلك الأمريكي كما ان الكيانات القائمة بناء على دعم أمريكا وهيمنتها ستضطر الى إعادة حساباتها على وقع إحساس عميق بخسران الجولة.. وهنا نقترب أكثر من فلسطين وتعاون عربي وتكامل عربي وانتعاش العلاقات البينية.. ويظل ان ندرك أي لحظة تاريخية نحن إزاءها نكون قادرين على فعل ايجابي.