الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

سوسيولوجيا العمل تحت الحصار، فلسفة الصمود وإبداع الضرورة

سوسيولوجيا العمل تحت الحصار، فلسفة الصمود وإبداع الضرورة

تاريخ النشر: 2026-04-11 | 13:46

تُعرّف السوسيولوجيا التقليدية العمل بأنه وسيلة لتحقيق الدخل أو حيازة المكانة والمركز الاجتماعي للإنسان؛ أما في سياق الحالة الفلسطينية، وتحديداً في "سوسيولوجيا العمل تحت الحصار"، فيتحول العمل إلى فعل سياسي واجتماعي بامتياز؛ إذ يصبح أداة لتعزيز الصمود والثبات على الأرض، ورافعة للاقتصاد المقاوم والبديل في مواجهة سياسات العقاب الجماعي.
إن العمال هم الفئة الأكثر دفعاً لضريبة هذا الحصار؛ عبر حرمانهم من حق الوصول إلى أماكن عملهم، وإغلاق المعابر، وانتشار الحواجز، وهو ما يفرض عليهم تحدي "التعطل القسري". ومع ذلك، يبرز إصرار العامل الفلسطيني على الاستمرار رغم تدمير المنشآت والمزارع والمصانع؛ ليمثل هذا الإصرار شكلاً من أشكال رفض "التغييب القسري" للهوية الإنسانية، وحمايةً للكرامة من الانهيار الذي قد ينتج عن الفقر المدقع، مما يجعل العمل الضامن الأساسي لتماسك النسيج المجتمعي.
ومن رحم هذه المعاناة، أفرزت تحديات سوق العمل تحولات بنيوية خلقت ما يمكن تسميته بـ "إبداع الضرورة"، وهو مفتاح لفهم العبقرية الكامنة في قدرة الإنسان على "تطويع العدم". وفي سياق سوق العمل الفلسطيني، وتحديداً في غزة، لم تكن هذه التحولات خياراً تطويرياً، بل كانت استجابة بنيوية قسرية لانسداد الأفق الرسمي. ويمكننا حصر وتحليل أبرز هذه التحولات والظواهر السوسيولوجية التي أفرزها هذا الواقع فيما يلي:
أولاً: التحول من "الإنتاج النمطي" إلى "اقتصاد التدوير والبدائل" وهذا التحول هو جوهر "إبداع الضرورة"؛ حيث فرض غياب المواد الخام على العامل الفلسطيني أن يتحول من مستهلك للمادة إلى "مستخلص" لها.
ثانياً: سوسيولوجيا الركام حيث جرى تحويل مخلفات الحروب والمنشآت المدمرة إلى مواد بناء أو قطع غيار. وهنا، لم يعد الركام رمزاً للهزيمة، بل أصبح "مورداً اقتصادياً" أفرز طبقة جديدة من العمال المهرة في استرجاع الموارد وابتكار بدائل للمواد الخام الممنوعة، مما خلق "سوقاً موازياً" يعتمد على الذكاء المحلي، فيما يعرف بـ "سوسيولوجيا الأنقاض".
ثالثاً: توطين التكنولوجيا البديلة وتمثل ذلك في ابتكار حلول للطاقة (كصهر البلاستيك لإنتاج الوقود أو الاعتماد الكلي على الطاقة الشمسية)، مما خلق مهناً تقنية لم تكن موجودة في التصنيف المهني التقليدي.
رابعاً: انتشار "الاقتصاد المنزلي الرقمي" (كاسر الحدود) فبسبب الحصار الجغرافي، حدث تحول بنيوي نحو "العمل اللامكاني" مثل اقتصاد المنصات؛ حيث توجه آلاف الشباب والخريجين نحو العمل الحر (Freelancing)، والبرمجة، والتعلم عن بُعد، وهو ما ساهم في كسر العزلة الدولية؛ فأصبح العامل في غزة جزءاً من سلاسل القيمة العالمية رغم إغلاق المعابر، مما خلق "استقلالاً اقتصادياً" عن الهياكل المحلية المترهلة.
خامساً: السيولة الطبقية وظهور "العمالة الأكاديمية" أدى الحصار إلى زلزال في البنية الطبقية التقليدية، حيث تلاشت الحدود بين الياقات البيضاء والزرقاء؛ فقد اضطر المهنيون -كالمهندسين والأكاديميين والأطباء-للعمل في مهن يدوية أو حرفية لإعالة أسرهم. هذه الظاهرة أعادت تعريف "البرستيج الاجتماعي"؛ حيث أصبحت "القدرة على التدبر" هي المعيار الجديد للمكانة بدلاً من الشهادة الجامعية، بيد أن هذا التحول يحمل في طياته خطراً استراتيجياً يتمثل في "الاستنزاف المعرفي"؛ فانخراط النخب في أعمال بسيطة لسنوات طويلة يؤدي إلى تآكل مهاراتهم التخصصية، مما سيخلق "فجوة خبراتية" هائلة في مرحلة إعادة الإعمار.
سادساً: "الاقتصاد المشاعي" والتعاونيات العفوية حيث نشأت أنماط عمل تعتمد على المشاركة بدلاً من الملكية الفردية، مثل "التكافل الإنتاجي" عبر اشتراك عدة عمال في وسيلة إنتاج واحدة وتقاسم العوائد. هذه الظاهرة ساهمت في عودة روح "العونة" كآلية دفاعية، مما يضعف النزعة الرأسمالية الفردية لصالح "اقتصاد الصمود الجماعي".
سابعاً: اقتصاد "المهن الطارئة" (المهن الهامشية النشطة) لقد نشأ سوق كامل حول احتياجات الحرب، مثل إصلاح القداحات والاحذية وصيانة الهواتف في مراكز النزوح، وصيانة اصلاح بوابير الكاز، ونقل المياه بالطرق البدائية.... الخ، هذا التحول نقل سوق العمل من "الاستدامة" إلى "الآنية"، وهو ما يسمى سوسيولوجياً بـ "اقتصاد البقاء اليومي".
ثامناً: جندرة الصمود ويتمثل في دور المرأة الفلسطينية التي انتقلت من الأدوار الرعائية التقليدية إلى قلب "اقتصاد الضرورة"؛ حيث قادت مبادرات التصنيع الغذائي، وإدارة المشاريع متناهية الصغر، وإدارة الحياة في مراكز الإيواء، مما أعاد تعريف دورها كقوة إنتاجية فاعلة تحت النار.
تاسعاً: سوسيولوجيا الأخلاق في الأزمات من باب التوضيح فإن اقتصاد الضرورة لا يخلو من صراع قيمي حاد؛ فبينما يمثل "عمال الصمود" نموذجاً للتفاني، تبرز على الهامش ظاهرة "تجار الحروب" الذين يستثمرون في الندرة، وهذه الثنائية خلقت شرخاً في النسيج المجتمعي، حيث يتحول العمل لدى البعض من فعل تضامني إلى وسيلة استغلالية، مما أضعف رأس المال الاجتماعي.
عاشراً: من "سوسيولوجيا الاتكال" إلى "تمكين الفاعلية" يواجه "إبداع الضرورة" تحدياً يتمثل في طبيعة التدخلات الدولية المحكومة بفلسفة "الإغاثة السكونية" التي تكرس "اقتصاد الانتظار"، ومن منظور سوسيولوجي، فإن تحويل العامل من "منتج مبدع" إلى "متلقٍ سلبي" يسلب فاعليته الاجتماعية؛ لذا يجب تحويل بوصلة الدعم من "الطرود الإغاثية" إلى دعم "بيئات الإنتاج الصامدة".
تأسيساً على ما سبق، لقد أحدثت هذه المتغيرات تحولاً عميقاً في بنية الطبقة العاملة يمكن رصده عبر محورين هما: تآكل الطبقة الوسطى وانزلاقها نحو "البروليتاريا الفكرية"، وتحويل البطالة إلى أداة سياسية لتفكيك النسيج الاجتماعي.
إن العمل تحت الحصار هو "عملية تكيّف عبقرية مع واقع مستحيل"، وهو ما يتطلب منا الغوص في سيكولوجية العامل وربطها بمأسسة حقوقه كجزء أصيل من المشروع الوطني؛ فالعامل وسط الركام لا يبحث عن رزقه فحسب، بل يثبت حقه في الوجود، ومن هذا المنطلق، يجب بلورة رؤية مستقبلية للعمال في مراحل التعافي تقوم على الاستراتيجيات التالية:
- تطوير برامج التشغيل المؤقت وربطها بقطاعات الخدمات الحيوية والنازحين.
- التأهيل المهني المرتبط بالواقع وتشجيع المهن التكنولوجية و"اقتصاد المنصات" العابر للحدود.
- دعم الاقتصاد التكافلي من خلال المشاريع ريادية والتعاونيات الإنتاجية التي تعزز رأس المال الاجتماعي.
- الرعاية النفسية والمهنية لترميم الروح المعنوية للعمال كجزء من بيئة العمل.
أخيرا: إن الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الأمثل، وتضافر جهود القطاع الخاص والنقابات والمؤسسات الأهلية لتبني فكر داعم للعمال ليس مجرد واجب أخلاقي، بل ضرورة استراتيجية لبناء مستقبل غزة؛ فبالعمل يحضر الإنسان، وبحضور الإنسان يكتمل النصر والبناء.

×
أخبار
السجون الفيدرالي الأمريكي يضع شرطا قبل زيارة رودريغيز لمادورو في سجنه باكستان تؤكد "المضي الى أبعد مدى" في الدفاع عن السعودية صحيفة تتساءل: صمت "حماس" على الاغتيالات التزام بالهدنة أم فقد لقدرة الرد؟ القرن الأفريقي ساحة تنافس جديدة: النفوذ المتكامل لتركيا يقابله الحسابات البحرية لإسرائيل خبراء ودبلوماسيون: السعودية تعيد رسم عقيدتها الأمنية دون التخلي عن "المظلة الأمريكية" إصابات وتوغلات متصاعدة جنوبي لبنان وسط استمرار الخروقات لـ"اتفاق صيغة الإطار" سجال حول انحياز "نيويورك تايمز": الصحيفة تعتذر وتعدل مقالا حول قتلى 7 أكتوبر الشيخ يطالب بروكسل بالضغط على إسرائيل لتسهيل الانتخابات واحتجاز «المقاصة» تقرير: 3 سيناريوهات ترسم مستقبل المواجهة السعودية-الحوثية تصعيد ميداني واعتداءات للمستوطنين وقوات الاحتلال تطال محافظات الضفة والقدس الجامعة العربية ترحب بالقرار الأممي بشأن مشاركة دولة فلسطين في أعمال الجمعية العامة مركز "عدالة" يرد على طلبات شطب القوائم والنواب العرب وعوفر كسيف من انتخابات الكنيست شهيد وإصابات في خروقات إسرائيلية متواصلة بغزة وارتفاع ضحايا المباني الآيلة للسقوط شهادات ضباط إسرائيليين تكشف جرائم الذكاء الاصطناعي والنهج المتعمد لقتل مدنيي غزة مقررون أمميون: حظر 12 دولة التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية خطوة متأخرة بالاتجاه الصحيح ميرتس: لقد انتهى عهد الصداقة الأوروبية "غير المشروطة" مع الولايات المتحدة استطلاع: 71 % من الأمريكيين لا يثقون برؤية ترامب لإنهاء حرب إيران قطر تعلن توقيع اتفاقية مع الأمم المتحدة لإدخال نحو 1.3 مليون لتر من الوقود إلى قطاع غزة استطلاع: تراجع كبير لحزب نتنياهو الليكود وآيزنكوت يتقدم ..والقوائم العربية هي الحسم صفعة أممية لأمريكا..تصويت عالمي في الجمعية العامة لصالح حضور وفد فلسطين ف.تايمز: قائد الجيش الباكستاني منير يحث إيران على كبح الحوثيين باكستان تنسحب من اللعب مع إسرائيل في أولمبياد الشطرنج  تضامناً مع الفلسطينيين ترامب: أقترب من قرار حاسم بشأن الحرب مع إيران وقضاؤنا على النظام وارد النقابة: الصحفيون المرضى والمصابون في غزة يعانون ظروفا قاسية ويحتاجون إلى إجلاء طبي للعلاج قرار إسرائيلي بحظر وصول المزارعين الفلسطينيين لحقول الزيتون المصنفة "أراضي دولة" تحليل: حرب فبراير 2026 عززت موقع إيران الإقليمي وكشفت حدود القوة الأمريكية-الإسرائيلية أمريكا تمنح مسؤولين إيرانيين تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة تقرير: "تحالف مكة" يجمع القدرات الدفاعية للرياض وأنقرة وإسلام آباد دون قيادة موحدة أمريكا توافق على بيع محتمل لطائرات "إف-35" إلى السعودية بقيمة 24.3 مليار دولار التحول الديموغرافي يعيد رسم خريطة الناخبين في الولايات المتحدة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط