ما يجري في المنطقة من تصعيد خطير ينذر برسم معادلات سياسية إستراتيجية جديدة في غابة انتشار التنظيمات التكفيرية الإرهابية وتناميها والتي صنعتها في بداية ثمانينيات القرن الماضي الاستخبارات الأميركية بتمويل خليجي ، فالمتتبع للتصريحات الامريكية، يستطيع أن يرى بأن الإدارة الأمريكية همها الوحيد حماية الموظفين الأمريكيين على الأرض في العراق وحماية السفارات ومصالحها والبنية التحتية الحيوية في المنطقة، في إطار ذلك يتضح أن تعريف أوباما للمهمة المحدودة مخادع بشكل واضح أكثر من حيلة لغوية لأن مهمة البعثة الأمريكية لم تكن لمجرد الدفاع عن الأمريكيين في المنطقة حيث يتصاعد الخطر بتوسيع العمليات إستعداداً لمخطط معركة سورية.
لهذا ان مواجهة الخطر الارهابي يتطلب خطة استراتيجية واضحة وما قامت به روسيا وايران وسوريا من رسم استراتيجية لمواجهة الارهاب الداعشي هو بكل تأكيد الذي سيواجه الخطر الداهم ، لكن التحالفات الأمنية التي سعت لها واشنطن لا تخدم سوى أميركا وإسرائيل، وقد لا تساعد حتى الأنظمة العربية نفسها، فحروب أميركا على الإرهاب تبرع دائماً في تقوية التطرف، وتوسيع رقعة الإرهاب في كل أشكاله ومصادره، أميركية وإسرائيلية، أو تلك المتغلفة بالدين والطائفية.
ولا شك أن قيام روسيا بإحداث تغيير إستراتيجي متمثل بإعادة النظر في عقيدتها القتالية شكل تطوراً مهماً ربما يتعين على واشنطن وشركائها ملاحظته بعين واقعية ربطاً بالتنسيق شبه اليومي بين موسكو ودمشق وطهران.
وثمة إدراك روسي عميق للصورة التي تسعى واشنطن لرسمها تحت لافتة "محاربة الإرهاب" بعد إخفاقها في تحقيق أهدافها ضرب قوى المقاومة وفي مقدمتها سوريا، فالمقصود في تجمع الادارة الامريكية والأربعين دولة ليس ضرب "داعش" بل ضرب سورية، وما يعكس الوعي الروسي الانتقادات الصريحة التي وجهها وزير الخارجية الروسي "سيرغي لافروف" لدول الناتو سعى لتأمين وحدته ضد روسيا الاتحادية على أساس "عقلية الحرب الباردة"، ودعوته الغرب للتخلي عن المعايير المزدوجة، وعدم القيام بأية تدخلات خارجية إلا "بعد الحصول على موافقة الحكومات المحلية" وخشيته من احتمال قيام الولايات المتحدة بقصف مواقع سورية في سياق حربها على تنظيم "داعش" الإرهابي.
ان ما نراه من ردود الأفعال الروسية أن موسكو عازمة على الدفاع عن مصالحها الإستراتيجية وجادة بالوقوف في وجه أي خطوة أميركية وغربية متهورة بهذا الشأن، فهل سيقتنع أوباما بضرورة إنجاز مشروع شامل لمكافحة الإرهاب على قاعدة المصالح المشتركة والحيوية لجميع الدول دون استثناء، أم إنه سيخوض الاختبار ويرتكب حماقة التدخل الخارجي في سوريا قبل مغادرته البيت الأبيض معتقداً أنها وكالة من غير بواب.
ان الولايات المتحدة باستخدامها للإسلام السياسي أدخلت المنطقة في صراع طائفي مذهبي مدمر، من خلال دعمها كافة قوى الإرهاب عن طريق الإبادة، كما نشاهد في سوريا والعراق واليمن وليبيا ولبنان، وهذا الصراع يخدم مصالح صناع القرار في واشنطن، لأنه يعفيهم من القضاء على الوحوش البشرية التي صنعوها بعد أن تكون قد أدت خدمتها لهم، ويُظهرها كالمخلّص في عيون فئات كثيرة من أبناء الشرق.
وهنا لا بد من العودة إلى قرار أميركي سابق بإثارة ما سمي في مستهل عهد جورج بوش الابن: "الفوضى الخلاقة" (إستراتيجية الأمن القومي الأميركي لعام 2002)، أو لقرار أميركي جديد بتحقيق أهداف الولايات المتحدة بوسائل جديدة بعيد التخلي الأميركي عن "الحروب الإستباقية" أو ذات الطابع الهجومي. لم تكن الولايات المتحدة في السابق، ولا هي اليوم، ذات قدرات مطلقة وحاسمة، هذا ما كشفته "إخفاقاتها" في السابق وترددها وعجزها في المرحلة الراهنة، ذلك لا يعني أن الولايات المتحدة خسرت موقعها الأول والأكثر تأثيراً في العالم، ولا يعني ذلك أبدا، أنها غير ذات قدرة أو مصلحة في إثارة صراعات وانقسامات لإضعاف خصومها ولجعل حلفائها يسعون دائما لطلب حمايتها ودفع ثمن ذلك من استقلالهم وسيادتهم وثرواتهم.
ان الفتنة الطائفية والنزاعات القومية والعرقية، إضافة إلى عملية القتل الممنهجة للحياة السياسية في المنطقة، جعلت الدين والمذهب والطائفة أو العشيرة والقومية هي الملجأ الوحيد لسكان المنطقة والهوية الأساسية المعبرة عنه، ما يُسّرع من تفتيت المنطقة إلى دويلات نتيجة الصراعات التي ستنشب بينها ويجعل من السيطرة على الكيانات التي ستنشأ سهلة، وبوسائل قليلة التكلفة، ويُظهر واشنطن، في الوقت نفسه، حامية للقيم الإنسانية والسلم الدولي عندما يحين وقت التدخّل، مع حلفائها، لوقف سفك الدماء في هذه المنطقة (كما حدث في يوغسلافيا سابقاً).
إن سياسة البيت الأبيض في الشرق الأوسط التي أعادته إلى عصور الظلام، وأدت إلى انتشار العنف الأعمى بين سكانه وجعلت الحقد ضد الآخر يتصاعد بين جميع أطيافه، دفعت إبليس للتساؤل عما إن كان هناك شيطانٌ آخر يجلس في واشنطن يفوقه في القدرة ويعمل من غير علمه.
واليوم نرى معالم المخططات الامبريالية والصهيونية في سلوك ما تقوم به القوى الارهابيه، مما يستدعي من الاحزاب والقوى العربية على مختلف ميولها واتجاهاتها مقاومة هذا التنظيم الاجرامي المسمى داعش ، لا سيما القوى الاسلامية التنويريه المختلفة، رص صفوفها والتصدي لهذه الجريمة التي من شأنها اذا استفحلت ان تقودنا الى مواقع يصعب تقدير مخاطرها.
ان المؤامرة الكونية على سوريا أطلقت يد الإرهاب كأداة لتركيع الإرادة الوطنية السورية وجرّها الى التخلي عن ثوابتها القومية، وإسنادها المبدئي للمقاومة، وقد ساهم دعم الإرهاب في تنامي شبكاته على امتداد الوطن العربي وتهديد السلم الأهلي في سوريا والعراق ولبنان وليبيا واليمن بحسب المؤشرات الحالية، وتحويل كل الجغرافيا العربية الى فضاء يتهدده كابوس الإرهاب، وأمام هذا التوظيف الإجرامي للإرهاب والمعادي للقيم الانسانية، وأمام الأخطار التي تتهدد المنطقة العربيه وأمنها القومي، وهذا يستدعي من جميع القوى الحيه مواجهة هذا الإرهاب الذي يعتبر أداة يوظفها المشروع الصهيو- أميركي لجهة تفتيت الدول، كمقدمة للتقسيم على أسس إثنية، دينية، مذهبية، خدمة لمشروع يهودية الدولة، والتصفية النهائية للقضية الفلسطينية .
وعلى هذه الارضية يجب مواجهة كافة المحاولات والجهود الرامية من خلال قطع الطريق على مخطط خبيث لتأجيج الفتنة المذهبية ولتعميمها في المنطقة، المناخات متوترة، والعصبيات مستنفرة، والظروف مهيأة لحروب أهلية لن ينجو منها أحد، وخاصة امام المخاوف من احتلال بشكل أكبر وأخطر، وعملية تدمير كبيرة لم تقتصر آثارها الكارثية على بلد بعينه .
أن حقيقة أدوار القوى الإمبريالية الاستعمارية في ظل تطورات دولية وعربية وإقليمية تسعى من خلاله الولايات المتحدة قائدة معسكر المؤامرة على سوريا إلى تثبيت ما بنته من سياسات وأدوار متخذة من دول وأنظمة مطية تستنخها لتحقيق اهدافها في المنطقة.
إن التغطية الإعلامية التي تحظى بها االقوى والعصابات الإرهابية والمقابلات التي تجريها القنوات التلفزيونية والمحطات الإذاعية والصحف والمجلات مع رؤساء ومسؤولي الجماعات الإرهابية وقادتهم تقدم خدمة جليلة تتمثل بالاعتراف بهم وبمطالبهم، حيث يصبحون في مرتبة السياسيين وصناع القرار وصناع الأخبار في أوساط الجمهور والرأي العام، وتصبح لديهم علانية وحضور إعلامي وحضور في أذهان وأفكار الناس وفي الرأي العام، وهذا ما يعني أنه ومن خلال تغطيتها للأحداث الإرهابية بطريقة تتسم بالإثارة والإطناب والتفاصيل والسبق الصحفي تقدم وسائل الإعلام الإرهابيين ومطالبهم للرأي العام، مما يتطلب ان يكون هناك قرار صارم بتجريم اي نوع من انواع المساعدة او الترويج لهذه العصابات و اعتبار الدول التي تستمر في دعم عصابة داعش و اخواتها باي شكل من الاشكال الاعلامية دول راعية للارهاب تستحق عقوبات دولية تفرض بمقتضى الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة .
ومن هذا المنطلق يمكنني القول إن ما حدث ويحدث للعالم العربي ليس من قبيل الصدفة بل هو نتيجة مخطط إستعماري صهيوني حتى تكون إسرائيل هي السيد المطاع في الشرق الأوسط فضلاً عن حماية أمنها في المنطقة، عن طريق تدخل الغرب في الشؤون الداخلية في العراق ومصر وليبيا واليمن ولبنان أو عن طريق تنفيذ سيناريو سوريا المعد مسبقاً لتقسيمها وحل القضية الفلسطينية وفق الرؤية الامريكية الإسرائيلية.
إن شعبنا وشعوب المنطقة يعرفون جيداً تاريخ أمريكا الاستعماري الأسود الملطخ بدماء المناضلين ، من خلال حروبها الهمجية على المنطقة ، عندما كانت هذه الشعوب تناضل من أجل استقلالها وحريتها، وها هي اليوم تدعم الرجعية وقوى الإرهاب ومن يستعد لتقبيل يد الاحتلال الصهيوني كما فعل العميل السوري المعارض كمال اللبواني ، وقد بات هذا الدور واضح، من أجل استمرار هيمنتها ومصالحها الاقتصادية والعسكرية والسياسية ومراهنتها على التكتلات الاقليمية والعالمية ، ونأجيج التناقضات والصراعات، التي تهدد أمن الشعوب في العالم العربي.
ان إحياء مشروع نهضوي عربي تتوافر له مقوماته الأساسية المتمثلة في المحاور الفكرية والاجتماعية والاقتصادية، يؤسس أيديولوجيا حقيقية واقعية تواجه الإرهاب الفكري وتتصدى له بآليات أكثر فاعلية وليس بنظريات وأفكار لا تجد لها تطبيقاً على أرض الواقع.
ختاما : لا بد من القول إن المخرج لما نحن فيه يتطلب الإستعداد للتضحية وصحوة الضمير من قبل الشعوب العربية،والتصدي للآثار السلبية لما تقوم به القوى الارهابية المسمى داعش التي تدعمها قوى إقليمية عربية يقف من ورائها إستخبارات وقوى أجنبية تدافع عن مصالحها ومصالح إسرائيل، لإعادة تقسيم منطقة الشرق الأوسط من جديد من خلال مشروع الشرق الأوسط الموسع بالتحالف مع حلف الناتو.