تاريخ النشر: 2021-05-27 | 14:02
تاريخ النشر: 2021-05-27 | 14:02
فورَ إطلاق صواريخَ تحذيريةٍ على أحد الأبراج في قطاع غزة؛ تمهيداً لقصفه بالكامل بصواريخ الطائرات المدمِّرة، بالكاد يخرج قاطنوها بملابسهم التي يرتدونها، يحاولون لملمةَ بعضهم البعض، ويبقى الجميعُ من بعيدٍ يراقب المشهد، تصعد إلى السماء كلماتٌ مع كلّ صاروخ "الله أكبر، حسبي الله ونعم الوكيل، وهناك مَنْ ينطق الشهادة".
هي دقائق لا تتعدّى أصابعَ كفِّ اليد الواحدة، نكون متأهبين لرؤية الدمار، نرتب الكلمات والمفردات، حتى لا نتردد ونتلعثم، نبدأ باسترجاع الذكريات والابتسامات التي جمعتنا بمَنْ نحب في هذه الأبراج، نضع كل الاحتمالات بأنه سيكون تحذيراً خاطئاً، لن يتمَّ قصفُ البرج، جميعها توقعاتٌ خاطئة، ولكن نضعها علَّ الذكرياتِ تبقى كما هي مرتبةً في خزائنِ مخيلتنا، لا نضعها من باب أن الاحتلال قد يخطئ وأنه رحيمٌ، بل لنواسيَ أنفسنا، ونبقي ما يساعدنا بعد ذلك على تحمل أعباء الحرب بعد أن تضع أوزارها.
برج الجلاء..
حين شاهدتُ سقوط برج الجلاء، تملَّكني شعورُ الدهشة، أدهشني حينها سقوطَ الكبرياء لهذا البرج، لا أعرف لماذا كنت حريصاً على ألّا ترمش لي عينٌ عن مشاهدة البرج فورَ سماعي خبرَ التهديد بقصفه، هي لحظاتٌ عبر البث المباشر امتزجت فيها الذكريات بسخونةٍ مَنْ لهم ذكرياتٌ في هذا البرج، كانت غصّات القلب تتوارى خلفها بقسوة.
في العادةِ لم أشعرْ أن الحجارة والبناياتِ تحدثني، وعند إمعان النظر لصور سقوط البرج، وجدت نفسي متورطاً في مواقفَ ترصد بصدقٍ غيرِ مسبوق تفاصيلَ الأحداث والأشخاص الذين صمدوا تحت الصواريخ، وأمدُّونا ببقايا أملٍ في حياةٍ أكثر إشراقاً.
كلما دقّقت في تفاصيل السقوط، أُحدِّثُ الحجارة دون أن تسمعني.. أنتِ منّا ونحن فيكِ، أخاطبها وأصرخ عليها أيتُها المدهشة والعنيدة، رغم قلة الذكريات التي جمعتني بمَنْ أحبُّ فيكِ إلّا أنّني وقفت أمام لوحةِ سقوطك بحزنٍ عميق، كنت أرى في بنائك فارساً يقاتل بسيف صموده وشموخه معاركَ خارجة عن التحمُّل، حتى جاءتكِ الطعنةُ من الخلف، أراقبك بحسرة، تجثو على ركبتيك بعزّةٍ، تحاول التماسكَ والنهوض، ولكن في النهاية هي طعنةُ غَدْر، نعم.. رسمت عند سقوطك تجاعيدَ رجلٍ عجوزٍ عزَّ عليه السقوط، بكيت وأبكيتنا، جمعت نفسك ونعتكَ حجارتُك قبل أقلامنا.
سيبقى سقوطك شاهداً على شموخك وعظمتك، نكررها بألم، سنبقى نتذكر انحناءَك حين عصفت بحجارتك ريحُ الموت العاتية، سنعيد الذكريات والجمال والحب والعمل والزملاء كلما تبادر لنا بَدْءُ معادِ الرحيل بخطواته الموجعة نحوك، ستبقى عزيزاً علينا نلملم تفاصيلك ونخبِّئُها في ثنايا أرواحنا المنهكة بالذكريات.