تاريخ النشر: 2022-08-26 | 08:17
تاريخ النشر: 2022-08-26 | 08:17
من بين أشجار الاحراش التي احببتها وما زلت أشعر بالراحة بالجلوس تحتها في الصيف هي شجرة الكينيا وقد كانت منتشرة بكثرة في قطاع غزة في الخمسينات خاصة على طول ساحل البحر وحي الشيخ رضوان في غزة هو في الأصل كانت ارضه عبارة عن غابة كبيرة من هذة الأشجار التي تم قطعها بتخطيط من سياسة الاحتلال الإسرائيلي في إطار تفريغ مخيم الشاطئ من ساكنيه اللاجئين ..
شجرة الكينيا وارفة ظليلة تحافظ على اوراقها خضراء طوال العام وأذكر اني اول مرة رأيتها كانت أمام مبنى الايبسي التابع لوكالة الأمم المتحدة والذي كان يقع على طريق صلاح الدين الرئيسي شمالا إلى بيت حانون وقرب محطة سكة الحديد القديمة يومها كنت صغيرا لم ادخل المدرسة الابتدائية بعد وقد أمسكت بثوب امي الاسود الغزي تغمرني السعادة وهي تقودني في الطريق لزيارة احد الأقارب.. قريبا من شاطيء البحر كان يوجد كوخا لمختار العائلة رحمه الله وكانت أمامه شجرة كينيا كبيرة وكان الفدائيون في ذلك الزمن بقيادة المقدم المصري مصطفى حافظ يستريحون فيه بعد عودتهم من القيام بعملياتهم الفدائية داخل فلسطين عام 48 وفي ليالي الصيف حيث الجو داخل الكوخ حارا لا يطاق كانوا يقضون وقتهم للراحة تحت شجرة الكينيا حيث يضع كل واحد منهم سلاحه الكارلو وهو مدفع رشاش صغير تحت ابطه للحصول على إغفاءة قليلة ...
أردنا التمتع برحلة بعيدة عن جو الحارة وعن التجمع قرب دكان الزهري الصغير المبنى من أحجار الطوب ..في ضحى ذلك اليوم وفي منتصف الطريق اوقفنا ابو إبراهيم من سكان المنطقة ولابد أنه يعرف أيضا عن وجهتنا بأننا جئنا من غزة في شطحة للمتعة وحين رأي ما حملناه من زاد بسيط أعطانا قنينة كبيرة مملوءة بمياه البئر كانت بيده يشرب منها بعدها مشينا على طول الشاطئ حتى وصلنا الكوخ وحينما فردنا البطانية لنجلس شعرنا بالدفء فيما كان البحر وقتها هائجا والرياح تضرب فروع شجرة الكينيا والأشجار الحرجية القريبة منها...و هاهي شجرة الكينيا كانت أمامنا في عصر ذلك اليوم تتمايل بشدة أكثر وانا علي بعد خطوات منها .فقط . . ..
في عام 56 من القرن الماضي بعد انسحاب القوات الإسرائيلية من القطاع في يوم ٧ مارس جاءت الفرصة المناسبة لاقترب من شجرة الكينيا أكثر فقد انطلقت المظاهرات الصاخبة في كل مناطق القطاع وكغيري من الأطفال حيث كان عمري في ذلك الوقت لم يتجاوز العشر سنوات شاركت في إحداها مع أبناء الحي وكان اكبرنا سنا ابن خالي يعقوب رحمه الله كانت المظاهرة صغيرة لكنها صاخبة. بالهتافات السياسية الوطنية وكانت قادمة من شارع بغداد الشارع الرئيسي بحي الشجاعية باتجاه مدرسة الهاشمية الابتدائية والزهراء الثانوية للبنات . في تلك الأيام كانت الأجواء في القطاع ماطرة خاصة في يوم الانسحاب ذاته وقدوم قوات الطوارئ الدولية لكن المظاهرة كانت في كل خطوة تمر في الشارع تكبر أكثر حيث يلحق بها أشخاص آخرين من الشوارع الفرعية مما جعلني امسك بيد يعقوب ولاحظت بعد ذلك انه يندفع إلى الأمام للوصول إلى مقدمة المظاهرة وكان رشيقا نحيف القوام وما أن وصلت تلك المظاهرة. إلى باب مقبرة ام مروان مقابل باب مدرسة الهاشمية تقريبا حتى اشتد المطر المصاحب بهبوب الرياح فما كان من المتظاهرين الا أن هرعوا مسرعبن يحتمون من هطول الأمطار الغزيرة تحت شجرة الكينيا الكبيرة. الموجودة في ذلك المكان لعلها تظلهم بفروعها الكبيرة من قطرات المياة التي صبتها سماء ملبدة. بغيوم داكنة مسرعة قادمة من جهة البحر وعند ذلك وجدت نفسي في مواجهة رجل ملتح بجبهة عريضة في وسطها بقعة صغيرة داكنة علامة السجود وقد تبلبل شعر لحيته بمياه المطر اما انا فقد كنت وقتها غارقا بملابسي أيضا ولكن ذلك لم يمنعني من. البقاء في المظاهرة التي عادت للسير من جميع الأعمار وقد ارتفعت أصوات الهتافات أكثر فأكثر وكان صوت يعقوب أكثر وضوحا لأنه صوت رفيع شجي ينادي بكل عزيمة وإصرار بعودة الإدارة المصرية مرة أخرى إلى القطاع.
في عام 55 أصابتني حمة شديدة على إثرها حولني الطبيب مصطفى عبد الشافي وهو شقيق الدكتور حيدر عبد الشافي الى مستشفى الحميات وكان هو الآخر عبارة. عن مبنى قديم يقع في الغرب من مدينة غزة قريبا من البحر و اذكر ان غرفتي في المستشفى َقد ضمت أيضا اثنين من الجنود أحدهما مصري والآخر سوداني و كانت لها نافذة كبيرة وبالقرب منها أشجار من الكينيا وكانت واحدة منها تتدلي فروعها إلى قرب النافذة فتجلب لنا الظل و الهواء البارد إلذي يخفف من الشعور بالحمة التي تنتاب بين الحين والآخر أجساد ثلاثتنا المتعبة ..
شجرة الكينيا رفيقتي منذ أعوام الطفولة وكم كان سروري حين وجدتها كبيرة خضراء فارعة في جانب من فناء مدرسة العامرية الثانوية التي عملت فيها كمدرس أكثر من عشرين عاما وكان الجلوس تحتها أثناء الاستراحة بين الحصص اشبه بملتقي لمدرسين عرب من مصر والسودان وتونس والعراق وفلسطين جمعتهم في ليبيا الشقيقة مهنة إنسانية واحدة...