تاريخ النشر: 2018-07-31 | 09:29
تاريخ النشر: 2018-07-31 | 09:29
عندما صرخ السيد جمال الدين الافغاني في الامة بدعوته من اجل نهضتها وتحررها من الاستعمار والتخلف والعجز واللامبالاة كانت محاولة فدائية في واقع تيبست فيه المعاني والافهام ورغم جهوده الجبارة فلم يتمكن صوته من الوصول الا الى جزء بسيط من المتعلمين في اقطار العرب والإسلام.. التقط الثعالبي صيحة الافغاني وعبده فكان في المغرب العربي مجددا كبيرا قاد بكفاح مرير عملية التنوير ليعقبه الطاهر بن عاشور المجدد الفذ.. الا ان الاستجابة الحقيقية لصيحة الافغاني ودعوة عبده في المغرب العربي تجلت في حركة الامام ابن باديس ولعل جهود ابن باديس كانت هي الترجمان العملي الاوسع لافكار الافغاني وعبده فلقد حول ابن باديس الأفكار النظرية الى تيار سياسي اجتماعي نهضوي متميز فكانت النهضة في حالة ابن باديس ملتزمة بمنهج وخطة وتتحرك من مرحلة الى أخرى تعالج الافهام والسلوك وتضبط إيقاع الحياة بروح جديدة ومنطق يليق بمستقبل كريم..
وعلى مدار العقود السابقة توالت صيحات النهضة ومحاولات المجددين من علماء الدين ودعاة الإصلاح في مشرق الامة ومغربها ولقد لامست في أحيان كثيرة جوهر الازمة لكنها ذهبت صيحات تلاشت في مواجهة الواقع بتحدياته وكان للامام حسن البنا في مصر محاولة رائدة في كيفية الإجابة على أسئلة النهضة اذ سعى لتشكيل نواة مجتمع بقيم حيوية ومفاهيم منتجة لعلها تستطيع فيما بعد تحريك المجتمع نحو التقدم على اكثر من مستوى فتنهض الامة بنهضة مصر.. وجعل أساس ذلك كله مفهوم الاخوة والتآخي على قيم الإسلام بعيدا عن كل تصنيفات التقسيم والتجزئة للقيام بنشر اخلاق الفضيلة وحب العمل والحفاظ على معالم الدين.. الا ان المحاولة الكبيرة لم تكن محصنة بخبرة سياسية كافية الامر الذي اسقطها في وهدات سياسية ولا بوعي استراتيجي لطبيعة الصراع الدائر-ولجوهره ولاطرافه- في الكون فتعرضت لعمليات تشويه واختراق وارباك اخرجتها عن نسقها الذي سارت عليه سنواتها الأولى في مواجهة الجهل والتخلف والعصابات الصهيونية والاستعمار الإنجليزي وانتهت بها الى حزب كبير لكنه منهمك باستحقاقات الحزب اكثر من انهماكه بمجموعة القيم والمفاهيم والروح التي انبعث منها ولها.. وتعمق فيه الانفصال بين هموم المجتمع وهموم الحزب ولم تعد النهضة هي المطروح بعناصرها بل المغالبة في المجتمع مع قوى سياسية واجتماعية أخرى..
تطل "شروط النهضة" في عمل كبير منهجي يستند الى قوانين وسنن ويلتزم رؤية علمية صارمة.. هي جهد فكري فلسفي للمفكر الكبير المرحوم مالك بن نبي حيث وضع رؤيته للنهضة قبل سبعين سنة متفحصا حال امته وشعبه ومناقشا بعمق أسباب التخلف والتشتت وفقدان القدرة على امتلاك المبادرة ومجتهدا بدأب لصياغة المصطلحات وبناء التراكيب المفيدة في ان تكون قاعدة انبعاث واشعاع حضاري..
لقد أفاد مالك بن نبي من مؤسس علم الاجتماع العلامة ابن خلدون في الية تحليل الظواهر وفهم السنن والقوانين التي تتحكم في نهوض مجتمع وفي انهيار آخر.. ولكنه لم يتوقف عند حدود نظريات ابن خلدون الذي يبدو عليه الاستسلام لما اطمأن اليه من حتميات الانهيار وكأنه كان يعزي نفسه على ضياع ممالك العرب والمسلمين في شرق الأرض وغربها.. لقد قام ابن خلدون بجهد جبار في تفسير الظواهر وتلمس سبيل النواميس في صعود الأمم وانهيارها ولكنه في كل ذلك كان يبدو قدريا اكثر منه ثائرا فاعلا في مجرى الاحداث ورغم كل ذلك فلقد كان رائدا في تخصصه الذي اصبح علما مثيرا فيما بعد ويرجع الفضل لابن خلدون في نهضة علم الاجتماع والنظريات التي انبثقت عنه فيما بعد.
اما الأستاذ مالك رحمه الله وهو بلاشك متفحص ذكي لهذا العلم ولاستاذه ابن خلدون لم يكتف بمعرفة الأسباب والنواميس التي تتحكم في نهضة شعب وسقوط اخر.. بل بحث بدقة عن عناصر النهضة المعاصرة في مجتمعنا العربي وبحث بتمعن عن ظروف ميلاد النهضة واخذ على عاتقه الإشارة الى ضرورة الانبعاث الحضاري من جديد منطلقا من فكرة الانسان والدين وتفاعلها لانشاء مناخ القيم والأفكار والسلوك الحضاري.. فكان مالك بن نبي مفكرا ثوريا مستندا الى فهم الواقع ومزودا باليات تثويره من خلال عملية مركبة فمرة هو يشن حملة على الأفكار المميتة وتمثلاتها في واقع محبط معطل، ومرة هو يظهر قيمة الفكرة الحية المحيية وتمثلاتها في تشكل خاص ينطلق نحو فعل حضاري يحدث من خلال التراكم الكم المطلوب لاحداث تفاعل ينتقل بالمجموع من حال الى ما هو ارقى..
بالتأكيد لم يبق المجتمع العربي او الجزائري او الإسلامي على ما كان عليه أيام مالك بن نبي ولم تعد اشعاعات النهضة الحضارية هي تلك التي كانت في زمانه فلقد تغيرت شروط واستبدلت اقوام وتقدمت أساليب وتراجعت أخرى.. ولقد تغيرت مراكز الحضارة الغربية من مكان الى اخر وتبدلت ادواتها وتحدياتها وطبيعة الاشتباك معها كما انسحبت كثير من الافهام في ساحتنا فيما يخص الخيارات الاجتماعية والاقتصادية التي كانت رائجة في تلك المرحلة.. الا انه برغم كل ذلك لاتزال نظرية الأستاذ مالك بن نبي في ميلاد مجتمع ومعالجاته لمشكلات الحضارة ودعوته لنهضة عربية إسلامية نظرية صحيحة في اعمدتها الفكرية وقاعدة انطلاقها.
شروط النهضة وسبيلها؟ سؤال يطرح بقوة من جديد ولكن هناك أسئلة أصبحت اكثر الحاحا من ذي قبل فمثلا الا زالت فكرة ميلاد مجتمع هي الأساس لتحركنا نحو نهضة؟ ام انه بالإمكان اجراء عملية فكرية على مستوى القمة السياسية والفكرية من خلال ادراك مخاطر من جهة معينة يتم بموجبها تشكيل افق لحركة شرائح المجتمع في اتجاه تحصيل عناصر النهضة؟ السؤال الاخر: شروط النهضة ماهي مساحتها في منظومة الأفكار التي يجب ان تشغل النخب المثقفة والمفكرة؟ بمعنى اكثر تبسيط هل يمكن للمنجزات المادية في بلداننا ان ترسي معطيات جديدة تساعد على انشاء مناخ لتولد أفكار النهضة؟
يبقى ان نشير بان منظومة شروط النهضة التي طرحها الأستاذ مالك منظومة فكرية ونخبوية تحتاج اطار سياسي على مستوى الامة والمنطقة العربية بالذات يجعل التكامل و والتساند بين اقطار العرب شرطا أساسيا للنهضة فلا نهضة بدون حمايتها بالتكامل بين الأقطار العربية او مجموعة منها وكل محاولة نهضة في قطر من اقطار العرب والإسلام لن يكتب لها الاستمرار والنجاح ان بقيت محصورة في قطر معين ثم لابد من التركيز بقوة على قيمة واهمية حسابات السياسة في العلاقات الدولية فاي فكرة لايمكن ان تكون مفيدة لانها صحيحة ولها صلاحية فقط بل لابد من ان تكون متناسبة بين الفكرة الأساس في نهضة الشعب والأمة من جهة ومعطيات الواقع الدولي ومخاطره.
شروط النهضة سؤالنا المتجدد تقف قضية فلسطين كاشف لعناصرها ومشيرة بوضوح الى اطارها الحضاري وناظمها الأساس.. وهكذا تتشكل جملتنا كاملة نهضة بنور فلسطين وبجمع طاقات الامة وتكاملها ووحدتها.