الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

شهادة عين التينة

شهادة عين التينة

تاريخ النشر: 2025-04-10 | 15:40

حلمت أن أصير مدرسا، فصرت، وحلمت فيما بعد أن أكون مدرسا جامعيا، فكنت. كنت أقول وأجادل ويسمعونني وأسمعهم.

حلمت أن أكون سياسيا، فكنت فترة من الزمن. استمتعت بذلك، ووهبت نفسي، ثم حلمت ألا أكون، فكنت.

حلمت أن أصير كاتبا روائيا، فحاولت منذ أوائل الثمانينيات، وفي أواخرها كانت "الحاج إسماعيل" قد فازت بجائزة اتحاد الكتاب الفلسطينيين، وأصدرت بعدها عشر روايات. حلمت أن أتميز برواية تخصني، ويعرفني الناس بها، ويعرفونها بي، فكانت أكثر من واحدة أولها "الحاج إسماعيل" وآخرها "زرعين".

حلمت أن أعشق وأُعشق، وأخبئه في صدري، فلا يدري به أحد غيرنا، فمرات كنت أنا الذي يدريه، ومرات أخرى دري به كثيرون. سهرت، وجافاني النوم، وهمت في الشوارع، وانزويت في البيت، وبكيت، وغضبت، وحزنت كثيرا، وما زالت بقايا نقاط سوداء ومضيئة داخلي، تظهر حينا، وتختفي حينا آخر. حنان واحدة منهن في روايتي "زرعين". لا تصدقوني تماما، فحنان وصفاء وسما وساما وسامية وريم ونجوى في المخيلة أكثر منها في الواقع. لقد كنا نخترع شخصيات نعيش معها، وتعيش معنا، في الخيال كما في أفلام الستينيات.

في "زرعين" كانت حنان التي عشقت الراوي وعشقها، ابنة بيسان، خفيفة الظل، مليحة الوجه، أصلها من زرعين، فلما تحول أهلها من فلاحين إلى تجار، انتقلوا إلى المدينة، وهجروا منها. حنان التي التقت الراوي في الكويت، أيام الدراسة الجامعية، كانت تبحث عن بيسان، فترى في الراوي، لأنه يسكن فلسطين، ترى فيه عشيقا، أو صديقا، أو رفيقا، سيوصلها إلى بيسان، لكنها لم ترتبط به عاطفيا، ولا زواجا، فأهلها لا يريدون أن يغربوها، فتفقد هويتها البيسانية، وفضلوا أن يزوجوها لواحد من أهل مدينتها، فظلت ظلال علاقة مع الراوي لا نعرف شكلها، وظلال علاقة مع بيسان، وظلال علاقة مع الداخل.

طالبني كثيرون أن أشرح لهم ما تبقى من قصة علاقة الراوي (هم يرون أن هناك تطابقا بيني وبين الراوي، فليكن، لكني لست أنا بالضبط) بحنان، فالقصة غير مكتملة. همهم أن يعرفوا نهاية هذه العلاقة المثيرة غير الواضحة. لم يهمني كثيرا هذا الأمر، إلا أن زرت عين التينة برفقة فريق، وتعرضنا لمضايقات شديدة من شباب وشابات في برنامج تأهيلهم للخدمة العسكرية، وكانت هذه الأحداث هي الوحيدة الحقيقية في رواية عين التينة. فعادت حنان لي مرة أخرى، لأكمل قصتها واستكمال ظلالها، وظل بيسان، وعتمة ليل اللقاء بها.

في العتمة؟ نعم. كل شيء مهم يحدث في العتمة، في الظل، في الوحدة: في الاتحاد مع آخر، الدراسة والنجاح، الالتقاء بحبيب، المكاشفة العاطفية، التحقيق في الزنازين، الاعتراف الديني والأمني، القبلة، الحضن، البكاء بصمت، الألم النفسي والجسدي، الصلاة الخاشعة، الإفطار في رمضان، الرسائل العاطفية، الانتكاس، الفشل، الانسحاب، العثور على كنز، .... فنستعين على قضاء حوائجنا بالكتمان، ولو لفترة، لكننا ننكشف غالبا، تفضحنا عيوننا، وإيماءاتنا، واختلاف سلوكنا، فيكون الكتمان مؤقتا، وإن لم ننكشف مباشرة، نكشف أنفسنا للأصدقاء، وإن أصبحنا كتابا، نكشفه كتابة، فنختبئ وراء آخرين أو وراء أنفسنا بضمائر مختلفة.

لم تكن "عين التينة" ضمن خططي الروائية، كما غيرها: الحاج إسماعيل، والحلم المسروق، وزرعين، لكنها سقطت علي، وبزخم من الذين سألوني عن حنان، وعلاقتي بها.

أنا لست أنا، والمكان الروائي ليس المكان الحقيقي، فالمكان الروائي غير حقيقي وإن حاولنا ذلك، وأنا ليست أنا مهما تشاطرت، والزمن ليس هو بالضبط، لكني أجد أني أستطيع التعبير عن دواخل شخصية ما إذا تقمصتها، وهكذا فعلت في أكثر من مكان. ربما تلاحظون أني لم أستطع التعبير عن مشاعر حنان من داخلها، إلا من خلال سلوكها وكلماتها وإيماءاتها، لكني انطلق بالتعبير عن الراوي أكثر. هناك تشابك بيني وبين الراوي، حتى إن كثيرين رأوا ذلك، لكنه ليس أنا بالضبط، فأعرف الكويت، والأردن، وفلسطين، فأستطيع العيش فيها شخصيا وروائيا. هل ما أفعله هو هروب من علاقتي بحنان؟ لا، فكل له حنانه، وحنانات أصاب فيهن وخاب، وخرج من أزمة مؤقتة أو دائمة، وأنا لست متأزما، بل أتصالح مع نفسي كثيرا، فأغضب وأنسحب، وأضحك وأبكي، وأحزن وأفرح، وأخالط الناس وأنزوي، وأقرأ وأكتب.

إذا كانت ظلال العلاقة هي الأكثر ظهورا في "زرعين"، فإن هذه الظلال لم تنته تماما في "عين التينة"، فحنان دخلت بتصريح "فيزا" من الاحتلال. التقى الراوي (الداخل) بها (الخارج) في فندق في رام الله، ورفضت أن تتجول في المدينة، أو أي مدينة بما فيها القدس، فهي لم تود أن تشغل بالها أو ذاكرتها بغير بيسان. قطعوا البلاد من وسطها، من "عابرها"، وصلوا شمال البلاد حتى الجليل الأعلى، حتى الحدود السورية اللبنانية الفلسطينية، وعادوا نحو بيسان، في الشارع الموازي تقريبا ل" عابرها"، اتجهوا شمالا أولا، ثم جنوبا في النهاية، نحو قبلتهم، قبلتها، فلم يروا المدينة، مدينتها، بل ظلالها أيضا، وظلال علاقة لم تكتمل أيام الشباب، ولن تكتمل في الشيخوخة، في معتقل مؤقت، في محطة قطار قديمة مهجورة، ونباتات صفراء، وحشرات، وأصوات رعاة على أحد جوانب النهر. توحدا بهدوء الإله شان، ولا نعرف لأي حد فعلا ذلك. ما سر هذه العلاقة؟ هل تطورت؟ هل هي واقعية؟ أممكنة؟ لا أعرف.

هل ما كتبته في "تايه" و "الباطن" و "زرعين" و "عين التينة" هو من أدب الرحلات، كما كتب بعض الأصدقاء؟ لا، طبعا. لم أقصد ذلك وإن اقتربت منه، فما كتبته هو نص أدبي إبداعي، وليس المقصود منه تسجيل الأحداث والأماكن والعادات والتقاليد والمعتقدات، وإن كانت هذه جزءا من العمل الفني. إنها رواية فحسب. صحيح أني تجولت بقدر مهم في أرض الوطن، لكني ما زلت أشعر بأني لم امتلكها تماما، فما زلت على السطح. هل سلوكي في الروايات الأخيرة نحو القرى المدمرة المهجرة هو "ثيمتي"؟ إذا كان كذلك، فقد جاء بشكل عرضي، ليس مخططا له تماما، رغم سعادتي بأن أكون، فأنا ابن واحدة منها، وإن ولدت بعدها بأعوام.

نسيت أن أقول بأنني حلمت أن أكون معماريا كما رغب بعض أهلي، فلم أكن، وعرض علي أن أكون طبيبا، ولم أرغب، ولم أسعى إليه، أو مهندسا بحريا، ولم أحسم أمري، أو قبطان طائرة، فتراجعت حالا، فلم أحب أن أهجر الأرض مبحرا أو طائرا، ورغم ما في السفر من فائدة، فأفضل المدينة التي أعيش فيها. وحلمت أن أكون رياضيا، فكنت "على قدي". وأشعر بالنقص لأنني لم أتعلم الموسيقى، رغم حبي لها، وحلمت أن أكون مفكرا، فكنت قريبا إلى حد ما. هذه أحلام طارت، وطواها الزمن. أنا أنا الآن، وأنا راض بها، وأحاول أن أسد بعض الثغرات رغم ما قطعته من سنين.

 

ما زالت مشاريعي الروائية قائمة، ولم اكتبها لأسباب اقتحام أخرى لحياتي الأدبية، وهناك اقتحام آخر يتعلق بفقداني لأخي المقرب لي، أخي الإسباني، الذي عانيت ما عانيت لفقدانه، فابتعدت قليلا، وربما أعود إخلاصا له ولذاتي. أوصاني أن آتي برفاته وأرشه في البحر، أو في مسقط رأسه. لم أستطع، فالحمل ثقيل ثقيل. وربما أعود لذكريات بعد 67 والمجند العربي الذي جاء يبحث عن اخته، وحين عبرت الجسر بما فيها من أمل وأوجاع ومقت وصناعة مستقبلي الذي ترون.

نسيت أيضا كتابي "النمل"، الذي لم أجرؤ على نشره حتى الآن رغم كتابتي له منذ أكثر من عشر سنوات، فهو تخيل لما أنزل على النمل، فيه محاكاة للواقع، وفيه إعادة قراءة للمعتقدات، بصورة حداثية كما أتخيل.

أتمنى ألا تكون هذه شهادتي الأخيرة حول رواياتي، ففقدان الأصدقاء ما زال مستمرا، فهم كانوا أصدقائي، وكنت أحد أصدقائهم.

 

×
أخبار
تقرير: 3 سيناريوهات ترسم مستقبل المواجهة السعودية-الحوثية تصعيد ميداني واعتداءات للمستوطنين وقوات الاحتلال تطال محافظات الضفة والقدس شهيد وإصابات في خروقات إسرائيلية متواصلة بغزة وارتفاع ضحايا المباني الآيلة للسقوط شهادات ضباط إسرائيليين تكشف جرائم الذكاء الاصطناعي والنهج المتعمد لقتل مدنيي غزة مقررون أمميون: حظر 12 دولة التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية خطوة متأخرة بالاتجاه الصحيح ميرتس: لقد انتهى عهد الصداقة الأوروبية "غير المشروطة" مع الولايات المتحدة استطلاع: 71 % من الأمريكيين لا يثقون برؤية ترامب لإنهاء حرب إيران قطر تعلن توقيع اتفاقية مع الأمم المتحدة لإدخال نحو 1.3 مليون لتر من الوقود إلى قطاع غزة استطلاع: تراجع كبير لحزب نتنياهو الليكود وآيزنكوت يتقدم ..والقوائم العربية هي الحسم صفعة أممية لأمريكا..تصويت عالمي في الجمعية العامة لصالح حضور وفد فلسطين ف.تايمز: قائد الجيش الباكستاني منير يحث إيران على كبح الحوثيين باكستان تنسحب من اللعب مع إسرائيل في أولمبياد الشطرنج  تضامناً مع الفلسطينيين ترامب: أقترب من قرار حاسم بشأن الحرب مع إيران وقضاؤنا على النظام وارد النقابة: الصحفيون المرضى والمصابون في غزة يعانون ظروفا قاسية ويحتاجون إلى إجلاء طبي للعلاج قرار إسرائيلي بحظر وصول المزارعين الفلسطينيين لحقول الزيتون المصنفة "أراضي دولة" تحليل: حرب فبراير 2026 عززت موقع إيران الإقليمي وكشفت حدود القوة الأمريكية-الإسرائيلية أمريكا تمنح مسؤولين إيرانيين تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة تقرير: "تحالف مكة" يجمع القدرات الدفاعية للرياض وأنقرة وإسلام آباد دون قيادة موحدة أمريكا توافق على بيع محتمل لطائرات "إف-35" إلى السعودية بقيمة 24.3 مليار دولار التحول الديموغرافي يعيد رسم خريطة الناخبين في الولايات المتحدة الأردن وفرنسا تؤكدان ضرورة اتخاذ خطوات عملية لتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة اشتية يدعو اليابان إلى الاعتراف بدولة فلسطين نقابة الصحفيين الفلسطينيين تجدد إدانتها لتصعيد الاحتلال حملات الاعتقال والاستهداف بحق الصحفيين قرقاش: العلاقة مع إيران علاقة ضرورية لدولة الإمارات ويدنا ممدودة..وباب المندب ممر دولي مليارديرات أميركيون يدفعون بأموالهم نحو الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي "اذهبوا وموتوا في بلادكم".. تصريح مثير للجدل لرئيس وزراء تايلاند عقب إغلاق مقبرة يهودية فيتو روسي صيني ضد مشروع قرار أمريكي حول تمديد عمل فريق لجنة العقوبات على إيران السعودية: حالة وفاة وإصابتان بسقوط شظايا إثر اعتراض مسيرة حوثية في الطائف نتنياهو: سنقضي على حماس ونسقط نظام إيران وحزب الله.. ولا مكان محصناً أمام عملياتنا بطلب سعودي.. الصين تحث إيران على كبح جماح الحوثيين باليمن

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط