تاريخ النشر: 2022-05-13 | 06:05
تاريخ النشر: 2022-05-13 | 06:05
شيرين مرحبا أي انقلاب صنعتي وفي أي الاتجاهات خطوتنا القادمة؟ صالح عوض ليست الحياة فقط مجال الفعل من اجل التغيير..
فلقد أثبت موت شيرين ان لديه قدرة فائقة لاحداث تغييرات لم تكن بالحسبان.. فلقد خرج الحدث عن سياقه الشخصي ليدخل الحياة بكل صخبها ويرسم لتدافعها مسارات جديدة.. ليصبح الموت بوابة مرحلة جديدة تمام الجدة تمنح الأشخاص والاشياء قيمة جديدة وهنا نقترب من اكتشاف الحياة في الموت أي معنى الشهادة كواقع يتلمسه الجميع و قيمة الدم المنساح والروح التي تفر من جسدها.. وكانت شيرين النموذج المثالي في تجسيد ذلك كله وتحويله من المجال النظري والفلسفي الى واقع يضج بالحياة والشهادة على الجميع. فجروا رأسها تماما وهشموا عظام جمجمتها ليفرغوه من كل الذكريات والمشاهد التي أصبحت مخزونها المعرفي التفصيلي عن معنى الاستعمار العنصري، وهكذا الاستعمار دوما يخشى الذكريات والتفاصيل التي صنعتها غطرسته وجريمته، ولم تكن القدس بالنسبة لها الا المواجهة المتجددة بين ازقة بين بيت المقدس او ساحات الأقصى او بوابات القدس والمحتل المدجج بالسلاح والجريمة والرواية الهشة الوهمية.. لكنهم لم يعرفوا انها ستصبح الرواية كلها والحكاية بأكثر مشاهدها تجليا وستصبح في صمتها ابلغ من قولها لتدق كل الأبواب المغلقة امام شعبها وتهز العالم هزة لم يصح منها بعد. في مرحلة العجز الرسمي العربي عن القدرة على ابداء موقف مما يجري في فلسطين والاقصى وفي مرحلة أصبحت فيها المحافظة على حياة قادة المقاومة واصلت شيرين تقدمها لاخراج جريمة العدوان من التستر وارسالها عبر الاثير للعالم كله فلعل ذلك يزيح الغشاوات عن ضمائر إنسانية كم نحن بحاجة اليها ولتقول من جهة أخرى للعالم هناك زوايا أخرى يطمسها الاحتلال لابد ان توضع امام اعين الجميع. من شيرين أبو عاقلة الى رشيدة طليب لم تكن المسافة بعيدة كانت رصاصات الجريمة تسير في طريقها الى راس شيرين لتتحرك فعاليات الشعب الفلسطيني واحرار العالم.. فلقد كان دم شيرين حروفا وبيانا ناصعا تدلي به رشيدة في الكونجرس ليقف أعضاؤه دقيقة حداد على الفلسطينية المرابطة المقاومة بالمعلومة والاعلام.. كانت صرخات رشيدة الفلسطينية عضو البرلمان الأمريكي.. هذه الهزيمة للوبيات الصهيونية بامريكا وعدم قدرتها على مواجهة مفاعيل دم شيرين اعلن في الساحة الامريكية ان المكان ليس فقط لمؤيدي الاستعمار الصهيوني بل انه يتسع لتيار يتنامي في أوساط الامريكان المثقفين وأصحاب المؤسسات الصحفية.. مابين ساحة فلسطين وساحة أمريكا ساحات عديدة تقترب وتبتعد فيها المشاعر عما يحصل لفلسطين.. في بلاد العرب والعجم على اجندات الأحزاب والايديولوجيا والمعتقد والسياسة و الثقافة.. وهنا كان الحدث بمثابة الحجر الذي القي في بركة ماء ساكنة سريعا ما طلت منها طفيليات ومخلوقات لم تكن لتخرج لو كان الجو اكثر تصالحا وانسجاما. الوضع الدولي والامريكي: في ظل الانشغال الأمريكي والاوربي بما يحدث في أوكرانيا والتهديدات الخطرة التي تتفاقم نتيجة الحرب من قطع امدادات الغاز والمحروقات وتوقف توريد قمح وحبوب أوكرانيا وروسيا الامر الذي بدأنا نتحسسه باوربا في أسعار كثير من السلع لاسيما المأكولات بالإضافة الى عملية الاستنزاف الرهيب لقدرات اوربا وامريكا المالية.. وفي ظل انسحاب أمريكا العسكري تقريبا من منطقة المشرق العربي لاسيما العراق وبلاد الشام بعد ان سلم الامريكان بالأمر الواقع بحضور ايران في العراق رغم التململ القائم وبحضور روسيا في المشهد السوري وكانت المنطقة بالنسبة لأمريكا يمكن ضبطها دون الحاجة لجنود امريكان وانه ينبغي عدم السماح لإسرائيل القيام بأعمال تخل بالتوازن السياسي والأمني بالمنطقة .. لعل ما قلناه قبل الان من ان الامريكان يرون في الاستمرار في الانشغال بمنطقة المشرق العربي امر فيه مضيعة للمال والوقت والهيبة.. فلقد اوجعت العراق المؤسسة الأمنية الامريكية كما ارهقت الخزينة الامريكية.. كان انسحاب الامريكان من المنطقة يعني بالضبط ترك الكيان الصهيوني متسيدا فيها لاسيما في حالة هرولة التطبيع والتخادم الأمني بين دول المنطقة وأجهزة امن المنطقة.. صحيح ان أمريكا انسحبت لكنها امنت استقراره نفوذها من خلال الدفع بالعلاقات العربية الصهيونية الى درجة من الحميمية النادرة. وكذلك فان الانسحاب من المنطقة يعني اقفال باب التسويات السياسية ونزع فتائل الصراع المستفحل، وفي هذا المناخ انضبط إيقاع الدول الاوربية الفاقدة القدرة على اقتحام مناطق النفوذ الأمريكي فأصبحت دولا ملحقة قد أصابها الاعياء جراء ازمة كورونا التي ارهقت موازنات البلاد. ومن هنا نستطيع ان نفهم دوافع الصياغة مرتفعة الوتيرة اوربيا وامريكيا في الخطابات التي قاربت الحديث عن الحدث.. ففي أمريكا واوربا ظهرت أصوات تندد بالجريمة وبقوة ومطالبة بالمحاسبة والتحقيق في الامر فورا وبنزاهةّ!! وعلى صعيد النخب الثقافية والحزبية لاحظنا انتشارا واضحا لمنهجية الإدانة للكيان الصهيوني في البرلمانات الاوربية وعلى أبواب مجلس الامن كما فعلت مندوبة ايرلندا. لقد أعاد استشهاد شيرين الانشغال الأمريكي بالملف الى الواجهة من جديد على اعتبار ان الأمور على وشك الانفلات من عقالها وان غليانا في المنطقة اخذ في التصاعد مما قد يقلب المنطقة على السياسات الامريكية فيما هي منشغلة باوكرانيا والتجييش العالمي لها. وعلى الصعيد الفلسطيني كشف موت شيرين ان الشعب الفلسطيني يتمتع بميزات خاصة من التجانس والتعايش وانه يدرك قيمة أدوات النضال والمرابطة حيث انه منح شيرين ما لا يمنحه لغيرها من حب وتعاطف وتقييم.. وهذا في الوقت الذي يبدو على الشعب الفلسطيني يأسه من أساليب القوى السياسية الفلسطينية فلم يعد الشعب يطيق كل هذا الهوان في التنسيق الأمني مع العدو وحالة الركود السياسي العام فيما تواصل قوات الاحتلال تشريد المواطنين والعدوان على الأقصى والقيامة وحصارا مستمرا على سكان قطاع غزة واستمرار الحواجز والتضييق على المواطنين ومصادرة املاكهم وتخريب مواسم ثمرهم. على الصعيد الفلسطيني كان اليوم الأول من الحدث مرعبا حيث غاب عن الشعب أي قيادة تتقدم بدم شيرين الى افاقه، ومن الواضح ان هذا الحدث الكبير انقذ المستوى السياسي الفلسطيني من حالة الجمود الى حالة من المواجهة السياسية مع الاحتلال واستفاد مسؤولو السلطة بانهم اصبحوا يملكون موقعا في الرفض والادانة والإصرار على رفع قضايا الاجرام الى المنظمات الدولية. كان دم شيرين كافيا ان تتحرك جماهير الشعب الفلسطيني في موجة عاتية من الانفعال والاندفاع الى درجة ان يعتبر بعض محللي الشؤون المحلية الإسرائيلية ان الذي يجري هو من اخطر ما واجه دولة إسرائيل.. ولعلنا في هذا المشهد ندرك خطورة ان تكون مهنيا فيما عليك ضريبة الوطن والفكرة.. واستطاعت شيرين ان تكون الاثنان معا فكانت صحفية مبدعة ودؤوبة وكان على صعيد الوطن ان تنجح في عملية تعزيز الرواية الفلسطينية والتي طمست معالمها. على صعيد مفاهيم العقائد: لم يكن في المشهد أي شذوذ بمعنى أن هناك فلسطيني يدافع عن وطنه ووطن ابائه وهو في هذا المشهد لا يعطي دروسا في العقيدة ولا قوانينا في الحكم في الفرائض والمنهيات.. فالمسالة لها علاقة بامرأة مؤمنة بشعبها انه سينتصر وانه يتعرض لواحدة من أسوأ عمليات الإبادة المنهجية وختمت المواجهة الطويلة بصعود روحها فهل منطقي ان نواجه الحدث بمفردات لا تخدم الا من يريد تدمير اللحظة المناسبة التي كانت اعظم انجاز للشعب من عدة سنين..
ان اولئك اقاموا معرضا لبيعهم بضاعة كاسدة كان العدو ينتظرها تماما فضخ فيها من شروره.. الشعب الفلسطيني سجل تاريخي متحرك وكذلك بطون أمهات الكتب تقدم لنا طبيعة علاقة المسلمين باهل الكتاب وفي ذلك اعلن المسيحيون في بلاد الشام ومصر مرات عديدة انهم نصارى دينا مسلمون حضارة.. وقد تمكن اهل الشام وفلسطين في القلب منهم ان يثبتوا ان للنصارى حقوقهم كما للمسلمين حقوقهم وفي هذا كله اغلاقا لأبواق الشر.. رغم ذلك اطل علينا نفر يصبون جام حقدهم على هذا النسيج الرائع ويحاولون جهدهم لتمزيقه يستعدون فريقا عى فريق وبرزت الفتاوى حول جواز الترحم على ميت غير مسلم؟ وبمقدار ما يشير هذا الى عدم المسئولية فانه يؤكد عدم المعرفة بتاريخ المنطقة ولا بمعتقدها ولا بروحية الإسلام والدين.. اكتشفنا كم نحن نختزن مظاهر تخلف وتحنط فكري ويبدو انه احد الأسباب الكبيرة في عدم تقدمنا ولا يمكن استبعاد فرضية ان المستشرقين في الدوائر الصهيونية ضخت بأدواتها لتعكير المناخ العام ولفت الأنظار عن الحدث الكبير الذي اصبح خانقا على الرواية الصهيونية. شيرين انت عنوان مرحلة قادمة استطاعت ان تعري الضعف الرسمي وتكشف هزال منطق الفصائل وتكشف خطورة تحويل الدين الى خضم للإنسان كما انها استطاعت ان تفجر الغضب الإنساني في العالم شتى وهذا يعني مكسب استراتيجي..
وهكذا نكون عثرنا على العتبة الضرورية من اجل النهضة والوحدة وفلسطين اجابت الشهادة المدوية على الأسئلة التي لها علاقة بوجودنا الحضاري وهويتنا وازماتنا الأخلاقية والحضارية تلك التي فضحها موتك. شكرا لك شيرين كما كنت مثيرة في الحياة بحجم قضيتك التي نقلتيها للعالم فأنت مثيرة في موتك لتبعثي نار الوعي تحرق تخلفنا وجهلنا وبقية عنصرية وجاهلية تسكن ليلنا وهكذا تحددين اجاباتنا بدقة.