تاريخ النشر: 2019-03-10 | 21:34
تاريخ النشر: 2019-03-10 | 21:34
ما يحدث في الجزائر الشقيقة من أزمة سياسية على خلفية الانتخابات الرئيسية المزمع إجرائها قريبا هي محاولة شعبية على طريق استنساخ تجربة ثورات ما سميت حينذاك بالربيع العربي عام 2011 التي كان هدفها القضاء على ظاهرة الاستبداد والقمع السياسي التي نجمت عن تمسك الرؤساء بالحكم وعدم فتح المجال لتداول السلطة لكن تلك التجربة المشروعة بدلا من القضاء على هذه الظاهرة وقد تحققت بالفعل بإسقاط رؤساء بعض الأنظمة العربية إلا أنها فتحت المجال بعد ذلك لتدخل القوى الإقليمية والدولية مما أدى الى صراع دموي على السلطة السياسية فقدت فيه تلك الثورات الشعبية اتجاهها في المطالبة بالديموقراطية وأصبحت تعبيرا عن نزعات طائفية وعرقية وجهوية مما أضعف هذا الانحراف النظام السياسي نفسة من حيث امتلاكه السيطرة على مقاليد الأمور في الدولة ألوطنية ..
ظلت الجزائر الشقيقة بمعزل عن تجربة تلك الثورات الشعبية رغم أن عاملين اساسين قد توفرا للشعب الجزائري للحاق بها كما حصل في مصر وليبيا واليمن وسوريا أولهما العامل الجغرافي حيث أن الجزائر أقرب البلدان العربية إلى تونس التي انطلقت منها ثورات الربيع العربي ناهيك عن التداخل الأهلي بين الشعبين الشقيقيين التي تربطهما وشائج قربي عديدة وثانيهما :طيلة مدة الاعوام التي قضاها الرئيس الجزائري في منصب الرئاسة مثله في ذلك مثل الرؤساء العرب التي أطاحت بهم تلك الثورات الشعبية .. لكن في رحلة البحث عن الاستقرار السياسي للبلاد خاصة وقد عانت في فترات ماضية من نشاط إرهابي كانت تقوم به جماعات اصولية ظلامية متشددة بدأت تتشكل لدى قطاعات من الرأي العام الجزائري مواقف سياسية وشعبية ترى في استمرار النظام السياسي الحالي الذي تأسس بشرعية حزب جبهة التحرير الوطني بعد انتصار الثورة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي ..
ترى في استمراره في سدة الحكم مدعومآ بالجيش الوطني الشعبي ضمانه أكيدة في المحافظة على الاستقرار السياسي وعدم الانخراط في الصراع الدموي على السلطة لذلك لم يستطع التيار الإسلامي قبل ذلك من الوصول إلى سدة الحكم رغم فوز الجبهة الإسلامية للانقاذ في الانتخابات التشريعية التي جرت في فترة سابقة من القرن الماضي ولم يحصل على استجابة شعبية حين تحرك جنرالات الجيش داعما لبقاء النظام السياسي وكانت النتيجة أن فاز عبد العزيز بوتفليقة أحد رموز الاستقلال الوطني ووزير خارجية الرئيس الأسبق هواري بومدين بعدة دورات انتخابية رئاسية بعد أن استقر الوضع لصالح سيطرة أركان النظام وأصحاب القرار فيه لكن بعد مرضه قبل سنوات أصبح استمراره في منصب الرئاسة مصدرا لازعاج وقلق سياسي وفكري لكثير من النخب السياسية والثقافية وللقوى السياسية كحزب جبهة المستقبل وحزب مجتمع السلم وحزب جبهة القوى الإشتراكية الذي سحب نوابه من البرلمان دعما منه للحركة الاحتجاجية وغيرها من الأحزاب ....
الملفت في مشهد الانتخابات ان تفاقم الحالة الصحية للرئيس بوتفليقة لم يمنعه من ترشح نفسه لفترة رئاسية خامسة حيث تعهد في حال فوزه بإجراء إصلاحات هيكلية في النظام السياسي وإجراء انتخابات بعد عام وذلك كما جاء في رسالته للشعب الأمر الذي شحن أزمة الانتخابات بعوامل الانفجار في أعقاب ذلك الإصرار على الترشح وقد علق أحد السياسيين البارزين على ذلك بأن ترشح بوتفليقة هو إهانة للشعب واستخفاف بكرامته الوطنية . .
هكذا أخذت الجزائر منذ منتصف شهر فبراير الماضي تقريبا تشهد معارضة احتجاجية تتسع يوما بعد يوم لتشمل فئات عديدة من الشعب الجزائري حتى من بين مؤيدي النظام وايضا من قبل نقابة المجاهدين الموالية تقليديا لشرعية حزب جبهة التحرير الوطني وكلها فئات اجتماعية ومهنية تحمل رؤية متجددة إصلاحية في النظام السياسي في اطار شعار تغيير النظام السياسي وليس إسقاطه ..
لقد كان على أصحاب القرار في النظام السياسي الجزائري وهم الطبقة السياسية التي تشمل مؤسسة الرئاسة من الوزراء وكذلك مؤسسة رجال الأعمال إضافة للمؤسسة العسكرية ..
لقد كان عليهم جميعا وذلك منعا للحراك الشعبي بين مؤيد وهم يشكلون أقلية وبين معارض لإعادة انتخاب الرئيس وهم الأكثرية وغالبيتهم من الأجيال الشابة ذات الطابع المهني كطلاب الجامعات وأساتذتها والمحامين و التي شهدت فئات هذه الأجيال علاقة مضطربة بين النظام السياسي والقوى السياسية الأخرى لما تحمله من فكرة التجديد ولتأثرها ايضا بالحياة السياسية الفرنسية وخاصة بما حدث مؤخرا في باريس والمدن الأخرى من احتجاجات عنيفة ضد سياسات الرئيس ماكرون ومطالبته بالاستقالة وحل الجمعية الوطنية والدعوة للتغيير بإجراء انتخابات مبكرة ..
ناهيك عن حالة المعاناة المعيشية التي تقاسي منها فئات شبابية عديدة في بلد يذخر بالنفط والغاز الذي يجني من ورائها أموال طائلة ..
نقول كان على أصحاب القرار في النظام السياسي منعا لحدوث هذه الازمة الانتخابية المتفاقمة أن يتم الإعلان عن مرشح توافقي اخر من بين رموزه لمنصب الرئاسة خلفا للرئيس بوتفليقة الذي يعاني من حالة صحية تزداد سوءا يصعب معها القيام بأداء وظيفته كرئيس في تسيير أمور الدولة والسؤال الذي يجب طرحه الآن اذا ما أصر الرئيس بوتفليقة على المضي قدما كمرشح رئاسي للنظام أو إذا ما أعلنت المحكمة الدستورية عن تأجيل الانتخابات أو شغور منصب الرئيس : هل تشهد الجزائر حالة استقرار سياسي للبلاد ؟ أم تكون النتيجة تشكل أزمة سياسية وامنية تدخل البلاد في أتون صراع طويل على السلطة كما هو حادث الآن في سوريا تبيح لقوى اقليمية ودولية التدخل وإعاقة اي حل سياسي ديموقراطي عادل بهدف التغيير ؟