التخبط يعم إسرائيل، والمشاكل الداخلية فيها على جميع الصعد، وخاصة في أعقاب فشل العدوان الأخير على قطاع غزة، الذي كبد الاقتصاد الإسرائيلي أموالاً طائلة، فالصرعة الإسرائيلية الجديدة التي تحمل عنوان "الهجرة إلى برلين"، تهدد الأسس التي قامت عليها الحركة الصهيونية بتهجير يهود العالم إلى فلسطين، عبر إغراء اليهود بأنها أرض الحليب والعسل، لكن معظم يهود العالم لم يتجاوبوا مع هذه الدعاية، رغم الضغوط والحملات الدعائية الصهيونية، فإن اليهود الذين هاجروا إلى إسرائيل لا تتجاوز نسبتهم 40% من مجموع يهود العالم، فإسرائيل التي تعمل من أجل الحفاظ على وضعها الديمغرافي، بأن يشكل عدد اليهود أغلبية كبيرة، مع إبقاء المواطنين العرب أقلية ضئيلة، أخذت تبحث في إرجاء العالم عن قبائل تزعم أن أصولهم يهودية لتهجيرهم لإسرائيل، مثل يهود الفلاشا في الحبشة، وقبائل من الهند، غير أن ميزان الهجرة المعاكسة من إسرائيل إلى الخارج، يتغلب على الهجرة القادمة لإسرائيل، وحسب الإحصاء الإسرائيلي الرسمي الذي نشر في رأس السنة العبرية، في أيلول الماضي، فقد بلغ عدد سكان إسرائيل اليهود حتى هذا التاريخ، (6.066.000)، من أصل (8.904.373) مجموع السكان، وحسب التعريف الإسرائيلي، فإن كل إسرائيلي يغادر البلاد لمدة عام كامل وأكثر فإن القانون الإسرائيلي لا يلزمه التنازل، أو تجريده من جنسيته الإسرائيلية، ويبقى ضمن تعداد السكان، كي لا يختل الميزان الديمغرافي، الذي يقلق إسرائيل، ولكي يبقى تفوق عدد اليهود عن العرب، وحسب التقارير الإسرائيلية، يعيش حالياً في دول العالم ما بين (800) ألف إلى مليون يهودي من حملة الجنسية الإسرائيلية في الخارج، وحسب دائرة الإحصاء الإسرائيلية فإن 11% من ذوي حق التصويت للكنيست، هم في أعداد المهاجرين، ويسعى حكام إسرائيل لتشريع قانون يتيح لهم التصويت في الانتخابات، رغم وجودهم في الخارج، ومع أن هناك تعتيماً إسرائيلياً مقصوداً، بعدم الكشف عن أعداد المهاجرين اليهود إلى الخارج، إلا أن المصادر الإسرائيلية، اعترفت أنه منذ عام (1990) وحتى عام(2012) هاجر من إسرائيل (283) ألف شخص، وهذا يبطل الإدعاء الصهيوني بأن ميزان الهجرة لإسرائيل أيديولوجي، بل أنه مادي، والدليل على ذلك الهجرة المعاكسة.
إن المفاجأة الجديدة التي تنخر إسرائيل بالصميم، هي الحملة الجديدة التي يقودها شاب لم يكشف عن اسمه، وما نشر أنه في (25) من العمر، وهو ضابط احتياط خدم في وحدة النخبة الاستخبارية يقف وراء الترويج للهجرة إلى برلين أو إلى دول أخرى، وهو قاد مظاهرات جرت في إسرائيل احتجاجاً على موجة الغلاء، وتدعو إلى الهجرة، وتحولت هذه المبادرة إلى حركة، وأكدت جريدة "إسرائيل اليوم 13-10-2014"، وجود أكثر من (17) موقعاً على الفيسبوك، تدعو الإسرائيليين للهجرة إلى برلين، هرباً من غلاء الأسعار، وكتب على الصفحات:" آن أوان الهجرة إلى برلين"، مع النصائح والتوجيهات للذين يبحثون عن بديل لحالة غلاء المعيشة، وعدم الاستقرار في إسرائيل، وحسب "جريدة هآرتس 14-10-2014"، فإن صفحات الفيسبوك التي أنشئت في مطلع شهر تشرين أول الجاري، بلغ عدد الإسرائيليين المنتسبين إليها (15) ألف شخص، نجحت في إثارة مجموعات شبابية، في إشارة لحالة الغلاء، والإحباط واليأس الذي يعيشونه، وطالبت هذه المجموعة قادة الدول الغربية، وفي مقدمتهم الرئيس الأميركي، والمستشارة الألمانية، ورئيس الوزراء البريطاني وغيرهم، بمنحهم فيزه "لاجئ الغلاء" في إسرائيل، ففي استطلاع للرأي العام الإسرائيلي، نظمته القناة العاشرة "14/10/2014، تبين أن نصف مليون إسرائيلي، يعتزمون الهجرة، خاصة بجيل ما بين 25-44عاماً، لغلاء المعيشة، وغلاء شراء المساكن، إذ أن المواطن في إسرائيل لو عمل (35) عاماً، لن يكون بمقدوره شراء مسكن، إن مؤيدي حملة الهجرة هم شبان وطلاب جامعات، ومهندسون، وأطباء، وحاضنات، وأفراد شرطة، وضباط جيش وغيرهم، يمتنعون عن الكشف عن أسمائهم، وهم تواقون للهجرة إلى مكان يكون فيه بالإمكان شراء بيت، أو الدخول إلى السوبر ماركت دون أن يذبحوا بغلاء الأسعار، ويكفيهم راتبهم حتى نهاية الشهر- حسب تعبيرهم.
تصاعد موجة الهجرة المعاكسة صوب البلدان الغربية، تسجل ظاهرة جديدة في المعادلة الديمغرافية، وهذه موجة غير مسبوقة، تؤجج تجاذبات بين الشبان اليهود، من دعاة الانطلاق إلى العالم، فالحروب المتواصلة التي تدفع بالشبان الإسرائيليين إلى خوض هذه الحروب، وحالة القلق الوجودي الذي يعيشه هؤلاء الشبان، إضافة إلى الواقع السياسي والأمني والاقتصادي، تحفزهم للبحث عن بلد آخر، والكثير من الإسرائيليين يحملون جوازات سفر مزدوجة إسرائيلية وأوروبية وأميركية، تسهل لهم السفر والإقامة، والعمل في الخارج دون عوائق.
وحسب القناة الثانية "10-10-2014"، فقد تلقى المسؤولون عن هذه الحملة –التي تدعو إلى الهجرة-(9300) طلب للهجرة إلى ألمانيا للعمل والعيش فيها، وأن المسؤولين عن هذه الحملة، توجهوا إلى المستشارة الألمانية "أنجيلا ميركل"، بطلب الحصول على آلاف التأشيرات، تصل إلى (25) ألف تأشيرة، كما أنهم سيتوجهون إلى الحكومة الإسبانية، لتسريع موضوع القرار الإسباني، بمنح الجنسية الإسبانية لأكثر من ثلاثة آلاف إسرائيلي من أصول إسبانية، فالدعوة للهجرة لا تقتصر على برلين، بل إلى نيويورك، ولندن، وواشنطن، وميامي، ولوس أنجلوس، وبراغ، وكوستاريكا، وروما، وبلدان أخرى، وإسرائيليون ألمان يدعون اليهود لترك إسرائيل والهجرة إلى ألمانيا، وقدموا النصائح للذين يبحثون عن بلد آخر يعيشون فيه، بديلاً لغلاء المعيشة في إسرائيل، وحسب المصادر ومواقع الفيسبوك، فإن نحو (300) ألف إسرائيلي، يزمعون الهجرة إلى واحدة من ثلاث دول أوروبية، هي: ألمانيا وفرنسا وبريطانيا هرباً من غلاء المعيشة وعدم الاستقرار في إسرائيل.
إسرائيل التي كانت تدعي بأنها ضمانة لسلامة يهود العالم، أصبحت اليوم أكثر ما تحتاج لسلامة مواطنيها، وحسب دراسة إسرائيلية جديدة، فإن 13% من الإسرائيليين اليهود، يعيشون خارج إسرائيل، وأظهرت إحدى عمليات المسح أن حوالي 60%، من الإسرائيليين قد اتصلوا أو عازمين على الاتصال بسفارات أجنبية ليطلبوا الجنسية، أو جواز سفر، مع أن لدى ما يقارب (100) ألف إسرائيلي جوازات سفر ألمانية، حصلوا عليها بصفتهم من نسل ألماني، كما أن نحو نصف مليون إسرائيلي، يحملون جواز سفر الولايات المتحدة، وأن ما يقارب ربع مليون طلب لجوازات سفر أميركية قيد النظر، وشن وزير المالية الإسرائيلية، حملة شعواء ضد منظمي الهجرة، متهماً هؤلاء المنظمين، أنهم لا يتحركون على خلفية اقتصادية واجتماعية، بل لديهم جدول وأجندة خاصة بهم، واتهمهم بأنهم أعداء للصهيونية، وفي أعقاب العدوان على غزة، قال 30% من الإسرائيليين، أنهم يدرسون بجدية الهجرة من إسرائيل في حال توفرت لهم الفرصة.
إن المشروع الصهيوني القائم على تهجير يهود العالم لإسرائيل، في طريقه إلى الفشل، وأن توجه اليهود لمغادرة إسرائيل، والإقامة تحديداً في العاصمة الألمانية برلين، يمثل إحراجاً لإسرائيل والحركة الصهيونية ومن بين التعليقات التي وردت على صفحات الفيسبوك، تعليق لأحد الإسرائيليين، يعلل فيه نيته للهجرة ويقول:"رئيس حكومتنا "بنيامين نتنياهو"، يتحدث دائماً عن التهديد الإيراني، وتهديد الصواريخ، لكنه لا يتحدث أبداً عن غلاء الأسعار، وعن كلفة العيش في إسرائيل، فالدعاية الصهيونية من أجل اجتذاب اليهود للهجرة إليها، كانت تدعي بأن إسرائيل هي المكان الآمن ليهود العالم، والمكان الصحيح لتربية الأطفال اليهود تربية صالحة، بينما أن أفضل الشباب اليهود ذوي التعليم والمهن المتنوعة يهاجرون من إسرائيل، ولديهم الشجاعة لدعوة الآخرين للهجرة".
بينما تهكمت جريدة "معاريف 7-10-2014"، بدعوة الإسرائيليين الهجرة إلى برلين، بأنها العاصمة التي نظمت فيها المحرقة ضد اليهود، وحسب الجريدة، فإنها فكرة لا تحتمل، ومع ذلك يتدافع الإسرائيليون للهجرة إلى برلين، ويبقى السؤال، لماذا برلين: تعلل المجموعة التي تدعو الهجرة إليها، بأن منتجات الحليب والشوكولاته، المنتجة في إسرائيل على سبيل المثال، تباع بأضعاف الأسعار التي تباع به نفس هذه المنتجات الإسرائيلية، وتحديداً في برلين، ويتضح من المقارنة، بأنها في برلين أرخص بنسبة 221% عنها في إسرائيل، فبينما يباع هذا المنتج في ألمانيا بما يعادل (80) أغورة، في حين يصل سعره في إسرائيل إلى ثلاثة شواكل.
وأخيراً .. هناك من قال من بين الإسرائيليين المعتدلين، أن مستقبل إسرائيل مرهون بتحقيق السلام مع الفلسطينيين، لكن قيادة الحكم في إسرائيل تفضل التوسع والاستيطان على حساب الحقوق الفلسطينية، وكما يقال، فإن إسرائيل تحفر قبرها بنفسها مضحية بشعبها من أجل أيديولوجية صهيونية تعود بالويل على شعبها، وتقوده إلى المجهول.