لقد فُضلت الأمة العربية بين الأمم وكانت خير اُمةٍ أُخرجت للناس هي أُمة الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم، وكان سبب هذا التفضيل لها من رب العالمين بسبب أمرها بالمعروف ونهيها عن المُنكر قال تعالى:
" كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ (آل عمران:الآية110). وكان هذا التفضيل بين الأمم بسبب عمل الخيرات والمعروف، ومساعدة الناس، حتي أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصانا أن لا نحتقر من المعروف شيئًا ولو أن تلقي أخاك بوجهٍ حسن؛ وجعل كذلك أقل الأعمال تؤجر بها فتبسمكُ في وجهِ أخيك صدقة. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله عزّ وجلّ سرور يدخله على مسلم، أو يكشف عنه كربة أو يقضي عنه ديناً أو يطرد عنه جوعاً، ولأن أمشي مع أخ في حاجه أحب إليَّ من أن أعتكف في هذا المسجد – أي مسجد النبي بالمدينة المنورة - شهراً ومن كف غضبه ستر الله عورته، ومن كتم غيظه ولو شاء أن يمضيه أمضاه، ملأ الله قلبه رجاءً يوم القيامة ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى تهيأ له أثبت الله قدمه يوم تزول الأقدام ". والمتأمل في- قول النبي صلى الله عليه وسلم (أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس)، ففيه إشارة إلى منزلة عظيمة جداً، ودرجة عالية رفيعة، ذلك أنّ محبة الله للعبد شيء عظيم، فإنّ الله إذا أحبّ عبداً جعل محبته عند أهل السماء والأرض، كما في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إنّ الله تعالى إذا أحب عبداً نادى جبريل فقال: يا جبريل إني أحب فلاناً فأحبه، فيحبه جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء: إنّ الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض). وأنه عند قضاء الحوائج واصطناع المعروف يجب مراعاة بعض الأمور ومن أهمها الإخلاص في الأعمال وعدم المنّ بها قال عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما -: لا يتم العمل إلاّ بثلاث: تعجيله وتصغيره وستره، فإنه إذا عجَّله هنَّأه، وإذا صغَّره عظّمه، وإذا ستره تمّمه، قال رجل لابن شبرمه: فعلت بفلان كذا وكذا، وفعلت به كذا فقال: لا خير في المعروف إذا أُحصي. أفسدْتَ بالمنّ ما أسديتَ من حسنٍ ليس الكريمُ إذا أسدى بمنّان واعلم أن من علامات الإخلاص: استواء المدح والذم من العامة، ونسيان رؤية الأعمال في الأعمال، واحتساب ثواب الأعمال في الآخرة. فعندما يُطلب منك أي عمل فأعلم أنّ الحاجة لا تُطلب إلاّ من كريم وقد أحسن الظن بك من طلب أداء العمل، واستمع إلى قول ابن عباس رضي الله عنهما: ثلاثة لا أكافئهم: رجل بدأني بالسلام، ورجل وسّع لي في المجلس، ورجل أغبرت قدماه في المشي إرادة التسليم عليّ، فأما الرابع: فلا يكافئه عني إلاّ الله عزّ وجلّ، قيل فمن هو؟ قال: رجل بات ليلته يفكر بمن ينزله حاجته ثم رآني أهلاً لحاجته فأنزلها بي. الشكر والثناء والدعاء: وهذا أدب لصاحب الحاجة يفتقر إليه بعض الناس، وكان من الواجب على صاحب الحاجة الشكر والثناء والدعاء لمن قضى له حاجته، ولا يشكر الله من لا يشكر الناس وقال صلى الله عليه وسلم:«من صُنِعَ إليه معروف، فقال لفاعله: جزاك الله خيراً فقد أبلغ في الثناء». ولن يبقى للإنسان إلاّ ما قدَّم، إن خيراً فخير وإن شراً فشر، ومن يسَّر على مسلم يسّر الله عليه في الدنيا والآخرة، والناس شهداء الله في أرضه؛ وحينما مرت جنازة والرسول صلى الله عليه وسلم جالس مع أصحابه فأثنوا على الجنازةِ خيًرا، فقال النبي وجبت؛ ثم مرت جنازة ثانية فقالوا مستراحٌ منه فقال وجبت؛ فسألوا أصحاب النبي ماذا وجبت يا رسول الله- قال أنتم شهداء الله في أرضه أثنيتم خيرًا على الميت الأول فوجبت له الجنة- وذكرتم الثاني أن العباد مستريحة من شرهِ فوجبت له النار؛ وإن العبد الفاجر إن مات استراحت من شرهِ البلاد والعباد؛ وعلينا أن لا نحتقر من المعروف شيئًا ولو كان صغيرًا فنحن لا ندري أي الأعمال تكون سببًا في رحمة الله علينا وأي الأعمال تكون نقمة علينا، فلو وجدت حجرًا فإماطتهُ عن الطريق من صنائع المعروف ولو سترت مسلمًا من المعروف، وجميعنا يعرف قصة المرأة البغي من بني اسرائيل والتي كانت تتكسب رزقها بعمل الحرام بفرجها– حينما كانت بالطريق فرأت بئر ماء فشربت منه، ثم رأت كلب يلهث من العطش فوضعت خفها في بئر الماء وسقت الكلب – فغفر الله لها وأدخلها الجنة بصنائع المعروف- وبرحمةِ الله، ومقابل ذلك هذه المرأة- نجد امرأة أخري مسلمة حبست هرة (قطة) لا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض حتي ماتت الهرة فأدخل الله تلك المرأة النار،،، فكم اليوم من جارِ لا يراعي حُرمة جاره، وكم من جائعٍ يموت جوعًا- كما هي حال أهلنا وأبناء شعبنا في مخيم اليرموك بسوريا، وكم من الناس يكاد يموت من التخمة وقد تكرش حتي أصبح بلا رقبة من شدة الشبع والطمع؛ ونحن اليوم ما أحوجنا لصنائع المعروف لتقينا مصارع السوء- فلربما بسبب معروف صغير صنعته قد عصمك الله به من الموت ميتة سوء أو من هلاك كان سيحل بك فنجاك الله من حادثة سيارة مثلاً بسبب ذلك المعروف، وسنقص عليكم قصة حقيقية حصلت في العام المنصرم2013م، كانت امرأة غنية مريضة بالفشل الكلوي وتوقفت كليتاها عن العمل وأوشكت على الموت وبحث أبناؤها عن متبرعة، ووجدوا فتاة فقيرة بالكاد تجد وأهلها لقمة العيش في باكستان ووافقت الفتاة على بيع إحدى كليتيها بمبلغ 30 ألف درهم وقبل العملية سمعت المرأة المريضة بالفشل الكلوي الفتاة التي ستبيع كليتها تبكي بكاءً مُرًا وكانت على السرير الأخر بجوارها في المستشفى، فسألتها ما يبكيك قالت إنني خائفة ولولا الفقر والجوع والحاجة لما بعت كليتي – فكلمت المرأة أولادها وأعطت الفتاة المبلغ وقالت أحتسب ذلك العمل لوجه الله ومضي كلٌ لحالهِ، وبعد يومين ذهبت المرأة المريضة بالفشل الكلوي للغسيل بالمستشفى كانت المفاجأة: قال الطبيب أنت لم تُعدين بحاجة لغسيلٍ كلوي فلقد اشتغلت كليتاكِ، فلقد شفا الله عز وجل هذه المرأة بفضل صنائع المعروف، وكلنا يحفظ الحديث الشريف:" داووا مرضاكم بالصدقة" ، أيها الأخوة والأخوات الكرام رُبّ درهمٍ سبق ألف درهم،،، ويروي أن زوجة الخليفة العادل هارون الرشيد قد فحرت بئر مياه لحجاج بيت الله الحرام على نفقتها ومازال ليومنا هذا البئر موجودًا ويسمى باسمها، ولما ماتت رأتها بالمنام احدي صديقاتها تتمتع في أعالي الجنات فقالت هل هذا صنيع الله بكِ في بئر الماء التي تصدقتى به للحجاج؟ فقالت لا - بل هذا بفضل الله عز وجل ومن ثم بدرهمين أنفقتهما لفقير في سبيل الله لم يعلم بهما أحدٌ إلا الله- كم نحن بحاجة أن لا نحتقر من المعروف شيئًا حتى ولو بكلمة طيبة تقابل بها أخاك أو بتبسمك في وجههِ أو تقضي عنه دينًا أو تزيل عنهُ همًا أو تزوج له ولدًا،؛؛ نبكي على الدنيا وقد علمنا أن السلامة فيها تركُ ما فيها، لا دار للمرء قبل الموت يسكنها إلا التي كان قبل الموت بانيها، فإن بناها بخيرٍ طاب مسكنهُ وإن بناها بسوءٍ خاب بانيها، وانظر لمن ملك الدنيا بأكملها هل راح منها بغير اللحدِ والكفن- بيوتنا لخراب الدهر نبنيها، وأموالنا لذوى الميراث نجمعُها- وكم من ملكٍ أصبحت له علامات – فلما علا مات... نحن ضيوف فوق الأرض وغداً تحت التراب- علينا أن نسارع لعمل وصنع المعروف مع أهلهِ وغير أهلهِ لعل الله عز وجل أن يتغمدنا برحمته ويدخلنا الجنة دون سابقة حسابٍ أو عذاب، وأن يكرمنا بالفردوس الأعلى وبرفقة الحبيب النبي صلى الله عليه وسلم وبلذة النظر لوجه الله العظيم الكريم والحمد لله رب العالمين.