لم تعد أزمة صناديق التقاعد في إيران مشكلة محاسبية يمكن تأجيلها بقرار إداري أو تسويتها عبر نقل بعض الأرقام بين أبواب الموازنة. فقد تحولت إلى أزمة اجتماعية تمس حياة ملايين المتقاعدين والعمال وأسرهم، وتكشف في الوقت نفسه عن عمق الخلل في إدارة الموارد العامة. فعندما تعجز مؤسسة التأمين الاجتماعي عن دفع بعض المستحقات أو تفكر في تقليص مزايا الفئات الأضعف، يصبح السؤال الحقيقي: أين ذهبت الأموال التي اقتُطعت طوال عقود من أجور العاملين؟
وتنقل صحيفة توسعه إيراني تحذيرات صريحة من ممثلي المجتمع العمالي بشأن محاولة معالجة نقص السيولة على حساب حقوق المتقاعدين. فقد اعتبر رئيس اتحاد قدامى المجتمع العمالي أن عجز أي مؤسسة عن تحصيل ديونها الكبيرة من الجهات الحكومية لا يبرر المساس بمزايا الفئات الهشة أو قطع مستحقات الإعالة العائلية للمتقاعدين. كما أشار الأمين العام لبيت العمال إلى أن ما بين 200 و208 آلاف مليار تومان من ديون الحكومة لمؤسسة التأمين الاجتماعي ما زال قائماً، رغم إدراج جزء منه في بنود الموازنة.
تكشف هذه الأرقام أن الأزمة ليست ناجمة عن نقص مفاجئ في الموارد، بل عن تراكم ديون حكومية، وسوء إدارة مزمن، واستخدام أموال الصناديق في سياسات لا تخدم أصحابها. فالصندوق الذي يفترض أن يكون أماناً للعامل بعد عقود من العمل، أصبح مهدداً بالعجز لأن الدولة لم تفِ بالتزاماتها، ثم تحاول نقل آثار هذا العجز إلى المتقاعد نفسه.
وتزداد خطورة الأزمة مع التضخم المستمر وتراجع القدرة الشرائية. فمعاش التقاعد الذي كان يكفي سابقاً لتغطية جانب من الغذاء والسكن والدواء، لم يعد يواكب الارتفاع المتسارع في الأسعار. لذلك لا تمثل أي محاولة لخفض المزايا إجراءً مالياً محدوداً، بل ضربة مباشرة إلى أسر تعتمد كلياً على دخل ثابت يتآكل شهراً بعد آخر.
كما أن الاعتماد المتزايد للصناديق على الموازنة العامة يجعلها أكثر هشاشة أمام الحرب والعقوبات والعجز المالي. فعندما تمنح السلطة الأولوية للإنفاق العسكري والأمني وتمويل مشاريعها الإقليمية، تصبح حقوق العمال والمتقاعدين أول المرشحين للتأجيل أو التقليص. وهنا يظهر الارتباط المباشر بين الأزمة الاجتماعية وطبيعة النظام الذي يضع بقاءه ومؤسساته القمعية فوق الأمن الاقتصادي للمواطنين.
وتكتسب الخطوة البريطانية الأخيرة في تصنيف الحرس الثوري ضمن إطار الحظر والتهديد الإرهابي أهمية إضافية، لأن الحرس لا يمثل جهازاً عسكرياً فقط، بل يسيطر على شبكة اقتصادية ضخمة تستحوذ على العقود والموارد بعيداً عن الرقابة. وفي الوقت الذي تتوسع فيه هذه الإمبراطورية، يُقال للمتقاعد إن الصندوق لا يملك المال الكافي لتأمين حقوقه.
كما عبّر بيان أكثر من 120 شخصية عربية عن رفض السياسات التي تبدد ثروات الشعب الإيراني في الحروب والتدخلات والميليشيات. فالمشكلة الإقليمية والاجتماعية تنبعان من مصدر واحد: سلطة تستخدم موارد الداخل لإدامة نفوذها في الخارج، ثم تطالب الفئات الفقيرة بتحمل النتائج.
إن المساس بصناديق التقاعد يمثل خطاً أحمر، ليس فقط بالنسبة إلى العمال، بل للاستقرار الاجتماعي كله. فالمتقاعدون يمتلكون خبرة طويلة في الاحتجاج والتنظيم ورفع المطالب، وأي اعتداء جديد على حقوقهم قد يوحد غضبهم مع احتجاجات العمال والمعلمين والممرضين وسائر الفئات المتضررة. وفي هذا المناخ، تواصل وحدات المقاومة إبراز أن الأزمات المعيشية ليست حوادث منفصلة، بل نتائج مباشرة لبنية سياسية فاسدة.
إنقاذ صناديق التقاعد لا يتحقق بخفض المزايا، بل بإلزام الحكومة بسداد ديونها، واستعادة الأموال المنهوبة، ووضع الموارد تحت رقابة شفافة. غير أن الحل الجذري يبقى في تغيير نظام جعل حتى شيخوخة العامل مصدراً جديداً للقلق والفقر والغضب.