تاريخ النشر: 2019-02-17 | 23:33
تاريخ النشر: 2019-02-17 | 23:33
أمد/ غزة- أحلام عفانة: من بريق قبتها، وعبق زهورها، وقداسة مكانتها، وجمال شوارعها خُلقت الفكرة، ونفّذتها ريشاتهم الصغيرة التي رسمت حلم الفلسطينيين وجعلته في صورة جميلة على جدران مدينة غزة.
"درة التاج المضيئة" هي أطول وأضخم جدارية قام بنحتها ثلاثة شبان طموحين من محافظة دير البلح وسط قطاع غزة؛ لتزين شوارع المدينة بأبهى وأجمل صورة للقدس، حيث إن كل من يمشي بجوارها يأخذه سحر الجدارية وكأنه في كنف شوارع القدس.
هو حلم حوله الفنانون التشكيليون (محمد الكرد ومحمد مغاري وياسر دحلان) على جدران المدينة؛ لإيصال رسالة للعالم بأن مدينة السلام والمحبة والتسامح حاضرة في قلوبهم كحضور الروح في الجسد، والتأكيد على أنها الهدف والبوصلة التي يصبو إليها الفلسطينيون جميعاً، إلى جانب تعريف الأجيال القادمة بالقدس وضواحيها وكل تفاصيلها.
بدوره، أكد الفنان التشكيلي محمد مغاري، على أن إنشاءهم جدارية للقدس كان بهدف ترسيخ صورة المدينة للأجيال التي لم ترى القدس ولا تعرف معالمها وتوضيح أن هناك فرق بين مسجد قبة الصخرة والمسجد الأقصى، بالإضافة إلى جمالية مدينة القدس ونظراً لأنها تعتبر معلم ديني وتاريخي وستبقي عاصمة الدولة الفلسطينية.
فيما أوضح الفنان التشكيلي ياسر دحلان، أنها عاصمة الثقافة العربية بما تحتويه من قيم ومعالم تاريخية وثقافية ودينية، كما أن لهذه المدينة خصوصية للفنانين التشكيليين الفلسطينيين ومن واجبهم أن يجسدوا تاريخها ليس فقط على الجدران بل بقلوبهم، وزرعها كقيم للأطفال.
كانت هناك مشاركة تربطها روح الحب والعمل الجماعي، حيث إن كل واحد منهم يكمّل الآخر ويتمتع بلمساته الفنية الخاصة التي امتزجت وتناغمت لإخراج هذه التحفة الفنية.
بداية الفكرة
بعد طرح الشبان للفكرة على رئيس بلدية محافظة دير البلح، لاقت ترحيباً كبيراً، خاصة أن موضوع الجدارية عن مدينة القدس، عندها تم عقد اجتماعات بين فريق العمل للوصول إلى أضخم اسكتش بأفضل طريقة للتنفيذ مع مراعاة قوة وضخامة العمل.
وقال مغاري لـ "أمد للإعلام": "بدأنا بالمشاورة ورسم مخطط أولي للفكرة، ثم انتقلنا إلى مرحلة جديدة في النحت الجداري وكيفية تجسيده إلى ثلاثي الأبعاد وتعدد مستوياته، بعدها تم الاتفاق على آلية التنفيذ".
خطوات التنفيذ
استرسل الفنان التشكيلي محمد الكرد: "قمت أنا وزملائي بالبحث العميق عن تفاصيل مدينة القدس من خلال الصور والقراءة عنها والنظر لمكوناتها وتفاصيلها بشكل دقيق، ودراسة النسب والأبعاد الهندسية منها والفنية إلى أن توصلنا لتصميم قوي يليق بمدينة القدس، ثم قمنا بدراسة دقيقة لعملية التنفيذ ومن أين نبدأ وكيف ننتهي حتى بدأنا بالتنفيذ مع توفير كافة المستلزمات المطلوبة للعمل".
وأعقب الكرد أن الجدارية تم نحتها بطول ٢٧ متراً وارتفاع ٣ أمتار، وجدران جانبية 3 أمتار + ٣ أمتار، وجدار 3 متر تم رسم الشعار عليه، ويصبح المجموع الكلي ٣٦ متراً بارتفاع ٣ أمتار أي يقدر مجموعها بما يقارب ١١٠ متر مربع.
الأدوات المستخدمة
فهي كثيرة، حيث استُخدم في نحتها أدوات مختلفة الأشكال والأحجام مثل "الفراشي بجميع أنواعها، وآلات الدهان الصغيرة وكبيرة الحجم"، بالإضافة إلى استخدام البلوك والإسمنت والجبس، ومواد التأسيس التي تسبق الدهان، والمادة الحافظة للألوان، والصبغات وأدوات الكهرباء والإنارة، والتي اعتمدت جميعها على خامات جيدة لضمان استدامتها لأكبر وقت زمني ممكن.
وبيّن مغاري، أن من أهم الإنجازات التي نفّذها هي المشاركة في العديد من المعارض الفنية داخل وخارج الوطن، والمشاركة أيضا في العديد من تنفيذ ديكورات للمسارح منها أوبريت "القدس عروس العواصم" و "أبواب الطفولة" ومسرحية "الحبل السري" و "وطن"، إلى جانب تنفيذ عديد من الدورات التدريبية منها في مجال الخط العربي ومجالات الفنون التشكيلية، آخر هذه الإنجازات جدارية ضخمة تجسد مدينة القدس "درة التاج المضيئة".
وقال الكرد لـ "أمد للإعلام": "لقد بدأت مشواري الفني بعد الانتهاء من دراسة الثانوية العامة عام ١٩٩٩، حيث التحقت بدراسة دبلوم تصميم جرافيك في كلية تدريب غزة التابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين، وخلال دراستي انغمست في سوق العمل إذ كنت أعمل مصمم إعلانات لأكثر من مجلة".
وأضاف "كانت بدايتي عام ٢٠٠٠ إذ شاركت في رسم جدارية الذكرى الـ٤٨ للنكبة في منطقة الساحة وسط مدينة غزة، وشاركت في المعرض الختامي لدراسة الدبلوم الخاص بي وبعد الانتهاء منه التحقت لدراسة بكالوريوس التربية الفنية بجامعة الأقصى وشاركت في معرض الربيع الأول والثاني المقام في حرم الجامعة عام ٢٠٠٤ حيث كنت منسقاً لجدارية يوم الأرض في ذلك اليوم، وفي عام ٢٠٠٦ شاركت مع مجموعة من الفنانين بإنجاز (جدارية جذور بلادي) أكبر جدارية نحتية في فلسطين في ذلك الوقت والتي أقيمت على أحد أسوار جامعة الأقصى، وفي عام ٢٠٠٧ شاركت في رسم جداريات بمدارس الأونروا حيث كنت رساماً ومدرباً في ذات نفس الوقت، وفي عام ٢٠١٠ شاركت بتصميم وتنفيذ ديكور لأوبريت (أبواب الطفولة) الذي أقيم على مسرح مركز رشاد الشوا وسط مدينة غزة".
وتابع "أما في عام ٢٠١١ قُدمت لي دعوة للمشاركة في مهرجان دولي كبير (أوستراكا للفنون المعاصرة) المقام في شرم الشيخ بجمهورية مصر العربية لمدة أسبوعين والذي كان يضم ٥٠ فناناً من ١٨ دولة عربية وأجنبية، إذ تكرمت بدرع (فلسطين ضيف شرف) وبشهادة شكر وتقدير في اختتام المهرجان الفني، حيث كان للفنان الفلسطيني الحضور المميز والمشاركة القوية، أما عام ٢٠١٢ كانت لي أربع مشاركات في معارض منها ثلاثة بالقاهرة وواحدة في غزة، كما وجهت لي دعوة مرة أخرى للمشاركة في مهرجان (أوستراكا للفنون المعاصرة) وكنت ممثلاً عن فلسطين مع نخبة من الفنانين من جميع أنحاء العالم وذلك في شهر ١٢ من ذات العام، وهناك العديد والعديد من المشاركات المحلية والعربية والإنجازات على المستوى الشخصي، وكانت جدارية (درة التاج المضيئة) أخرها في شهر ١ عام ٢٠١٩".
أما دحلان فكان يمتلك موهبة الفن منذ الصغر، وقام بتعزيزها بالدراسة الفنون الجميلة بجامعة الأقصى، وكان من أكثر المجالات المحببة لديه النحت، حيث شارك بالعديد من المعارض الجماعية على مستوي فلسطين، وحصل على العديد من الدعوات للمشاركة بمعارض دولية آخرها في مدينة تورنو كندا، لكن لم يستطع المشاركة بسبب أزمة المعابر في قطاع غزة.
وقال دحلان لـ "أمد للإعلام": "من أبرز إنجازاتي الفنية جدارية بمبني وزارة التربية والتعليم في غزة برفقة صديقي الفنان محمد مغاري ومحمد الكرد والتي كانت تحاكي مدينة القدس بأسلوب متعدد المستويات إلى جانب استخدام الإضاءة، وحالياً نجهز لعمل فني آخر".
صعوبات
كانت تتمحور جل المعيقات لإنجاز هذا العمل في الأحوال الجوية، حيث كان هناك تقطع في العمل إذ يتم التوقف عنه نظراً لهبوب الرياح العاصفة وسقوط الأمطار التي تؤثر بشكل سلبي على إتمامه، نظراً لأنه في الهواء الطلق وليس في مكان مغلق.
وتمنّى الكرد أن يكون في مصافِ الفنانين المعروفين محلياً ودولياً وعالمياً، وأن يعزز من قدراته الفنية وكافة الجوانب التي تتعلق بالفن التشكيلي، نظراً لأن الفن هو مرآة الشعوب والحضارات تُقاس بالأثر الفني الذي يتركه مبدعو هذا الشعب، مطالباً بالاهتمام بالفن والفنانين التشكيليين وأن تكون نقابة تدافع عن حقوقهم ونوعية ما يقدمون من فنون ترقى في مستواها للعالمية، إذ أن الفنان هو إنسان لا يطالب إلا بالحرية في التعبير والعزة والكرامة والتخلص من براثن الاحتلال الجاثم.
وتمنى مغاري الوصول إلى العالمية ووضع جدارية القدس وباقي معالم فلسطين في كافة دول العالم ليعلموا أحقيتنا فيها وكم هي راسخة في قلوبنا.