بدلا من انتهاج أقصر الطرق للتسوية وهو طريق السلام العادل يقارن نتنياهو بين أفعاله وبين أفعال من سبقوه على نفس المقعد، ويتعجب من تزايد وتيرة التصعيد والدماء والعنف والغضب الفلسطيني والعربي والإسلامي، على الرغم من أنه حسب تقييمه وإحصائه ـ لم يشيد مستوطنات في القدس بنفس القدر الذي شيده من قبله أولمرت ورابين !
مشكلة نتنياهو الحقيقية أنه يواجه «طاعنين وقتلة» حسب وصف المتحدثين الإسرائيليين- يغرقون الشوارع, في حين أنهم ليسوا غريبي الأطوار من هوامش المجتمع وبالتالي يمكن تمييزهم عن بعد و«تحييدهم» أي إطلاق الرصاصات القاتلة نحوهم حسب التعبير الإسرائيلي غير الإنساني وغير الأخلاقي بالطبع. فهم يكاد يكونون كلهم تحت سن العشرين، تلاميذ ثانوية وطلاب، دون ماضٍ أمني. لا يمكن السيطرة عليهم من قبل الأسرة وبالقطع لا سيطرة عليهم من السلطة الفلسطينية في ظل جمود عملية السلام أو انتهاك المقدسات.
أحدث استطلاعات الرأي داخل إسرائيل تكشف لنا عدم رضا الرأي العام عن أداء الحكومة الإسرائيلية الأمني..وهو العنوان الأبرز لكيفية معالجة هذه الهجمة الشرسة ضد الفلسطينيين والمقدسات..فنحو 65% من الإسرائيليين أعربوا عن تذمرهم البالغ ورفضهم للسياسات الأمنية واعتبروا أن نتنياهو ليس أفضل من يدير هذا الملف وهو الملف الوحيد الذي كان يرى أنه مميز فيه- وأن افيجدور ليبرمان (المعارض حاليا) يجيد إدارة هذا الملف بشكل أفضل، وربما يتنافس في هذا الصدد الزعيم المتطرف الشاب نفتالي بنت مع ليبرمان في هذا الصدد.
المخطط الإسرائيلي - بزعامة نتنياهو- لتجاوز الأزمة الحالية أو احتوائها أو تقليل خسائرها يرتكز على محاور محددة يمكن للمراقب أن يرصدها بسهولة في سلسلة الأكاذيب بشأن قيام فلسطينيين بمحاولات طعن أو ما شابه تنتهي دوما بمصرع المنسوب له الفعلة دون خسائر تذكر على الجانب الإسرائيلي وكأنه إعدام ميداني..مع ثغرات في السيناريوهات التمويهية على الجريمة، وتهرب نتنياهو من الاستحقاقات الأخلاقية والقانونية بالاختباء خلف الإعلام الإسرائيلي، واستقوائه وحكومته بالولايات المتحدة التي إن أرادت لأوقفت الجرائم الصهيونية بمكالمة هاتفية.
كما أن نتنياهو يضخم ويبالغ في تصوير قدر خسائر إسرائيل البشرية إلى حد مثير للسخرية..حيث ضم لـ«ضحايا الإرهاب« فتاة إسرائيلية تزعم أنها تعرضت لاعتداء جنسي من فلسطيني، علاوة على اتهامه مجلس الأمن وكل منتقد بمعاداة السامية.
هنا يجب توضيح أن نتنياهو يرتكز في تشبثه بالطرق الالتفافية على تشرذم المعسكر الفلسطيني وتكريس الانقسام على يد حركة حماس، كما يرتكز على انكفاء البلدان العربية المؤثرة في همومها الداخلية وكوارثها الخانقة. وكذا الانقسام في صفوف فلسطيني الـ48 وهم نحو مليون ونصف المليون، والذي تجلى في خلاف خشن بين أيمن عودة المحامي ورأس القائمة العربية الموحدة للكنيست من ناحية، ورئيس بلدية الناصرة «على سلام» من ناحية أخرى، حيث نهره الأخير عن القيام باحتجاجات في الناصرة دفاعا عن الأقصى!! وأمره بمغادرة المدينة!
الطرق الالتفافية ستصل إلى طريق مسدود لا غرو في ذلك، لأنه لا يمكن لمجتمع طبيعي أن يتحمل مثل هذه الأكاذيب وهذه الفظاظة مع أجواء هيستيرية غير مسبوقة، فالتصعيد والجرائم الإسرائيلية تمت ترجمته لعدم قدرة الأحياء المشتركة في حيفا ويافا وغيرها على العيش بشكل طبيعي إلى حد كبير..فهناك تخوف من الجانبين وابتعاد كامل عن السير منفردا في طريق فيه أغلبية يهودية والعكس..مما حول الأجواء إلى أجواء هيستيرية دفعت ركاب قطار إلى إيقافه وإطلاق النار في الهواء لمجرد الاشتباه في وجود مقاوم في القطار.. ونفس الهيستريا يتم تبينها عند مشاهدة شريط الفيديو الذي يوثق فتاة فلسطينية (إسراء) محاصرة بمدافع رشاشة من كل جانب وهي توجه سكينا إلى صدرها ولا تمثل أي خطر فيصيح الكثيرون بالعبرية »أطلقوا النار عليها إنها تحمل سكينا«.. وبالفعل يتم إطلاق النار عليها!
وساعد في تنامي الأجواء الهيسترية إزاء المقاومة الفلسطينية عدم وجود قائد للشرطة بعد انتهاء ولاية قائد الشرطة وتقاعده ورفض قيادات الشرطة المرشح الذي تشبث به نتنياهو مما أدى في النهاية لرضوخ نتنياهو تغيير المرشح، وتأخير تولي المرشح الجديد للمنصب لمدة شهر. ومن العوامل التي تفتح الأبواب أمام مزيد من التصعيد أيضا وخلق حالة من الهيستريا تعيين قائد جديد للمنطقة العسكرية الجنوبية.حالة الحماقة والإفلاس دفعت للسطح اقتراحات مجنونة مثل ذلك الذي تقدم به الصحفي »رازي بركاي« متمثلا في : نزع الأعضاء البشرية من الفلسطينيين المتهمين بالعنف وزرعها لإسرائيليين يحتاجونها كنوع من الردع. ومن الحلول التي حاولت الحكومة الإسرائيلية اللجوء إليها القبض على «حسن يوسف» بتهمة التحريض! والإعلان عن تجفيف »منابع الإرهاب« تحت ستار نشاط «الحركة الإسلامية» داخل حدود الـ 48.
ما يجب أن يعيه نتنياهو وأنصاره وهم يبحثون عن مخرج أو يحاولون تكييفنا على قبول وضع قائم جديد في الأقصى يسمح بدخول اليهود لمسجد الحرم القدسي ويمنع ذلك عن المسلمين بحجة أن هذه مواعيد زيارات لغير المسلمين أو بحجة أن المصلي تحت الخمسين من عمره أو أنه عضو كنيست فلا يحق له الصلاة في الحرم القدسي وهو القرار الذي تبناه نتنياهو بضغط من اليمين.
علينا أن نكشف للرأي العام العالمي قبل العربي أن مزاعم إسرائيل بشأن «القدس الموحدة» ليست منطقية وكاذبة تماما فالأحياء الفلسطينية التي تخضع للاحتلال الصهيوني لن تبقى في خنوع طوال الوقت فحتى الصرف الصحي ورصف الطرق غير موجود في تلك الأحياء ..وقد بينت استطلاعات الرأي الأخيرة أن نحو 68% من الإسرائيليين يوافقون الآن على »التنازل« عن الأحياء الفلسطينية مما يعكس أجواء مواتية لتفاوض جاد لو توفرت الإرادة السياسية خاصة أن اليوم الأربعاء- يلتقي نتنياهو بكيري، كما يزعمون ولن تكون. ما يجب أن يعيه كذلك أن مهما كان انكفاء الحكومات والشعوب العربية بمشاكلها الداخلية فإن الرأي العام دوما مرشح للانتفاض. ما يجب أن يعيه أيضا أن الإرادة لا تنكسر وأنه إذا كان يظن إنه سيستشرف الانتفاضة القادمة فهو واهم فقد ترتدي المقاومة ثياب الفوضى أو العصيان الداخلي من فلسطيني الداخل (الخط الأخضر) وقد تتحالف القوى العربية والإسلامية بضغوط من الرأي العام، وأن جريمة حرق عائلة دوابشة في قرية دوما، وحقيقة أن منفذي القتل الفظيع لم يحاكموا، لن تمر. كما أن تصريحات السياسيين في إسرائيل حول تغيير الوضع القائم في الحرم لا يمكننا غض الطرف عنه، فقد أضيف لحالة اليأس خطاب «نهاية أوسلو» الذي ألقاه أبو مازن في الأمم المتحدة مؤخرا. الضمير الإنساني لن يحتمل طوال الوقت الصمود في وجه الجرائم فحقوق الإنسان تنتهك بشكل سافر وبذلك لن يحدث استقرار سياسي على الإطلاق ، مما يفاقم الأزمة الاقتصادية المتمثلة في تفشي التضخم بشكل غير مسبوق.
الخلاصة هنا أن الغضب في النهاية قد يأتي من ارتفاعات منخفضة للغاية لن تستطيع محطات الرادار الإسرائيلية أن ترصدها مبكرا وأن تحتاط لها مسبقا..وأنه لا يزال الحل الناجز قائما متاحا إذا ما تم كف الأذى وإعادة بعض الحقوق لأصحابها والابتعاد الكامل عن انتهاك المقدسات.. لأنه لا مستقبل لطرق نتنياهو الالتفافية، ولن تتوقف موجات العنف إلا بمؤتمر سلام شامل ترعاه مصر..على أساس المبدأ الواضح »الأرض مقابل السلام« وفق خطوط 4 يونيو 67.
عن الاهرام