تاريخ النشر: 2023-10-09 | 13:26
تاريخ النشر: 2023-10-09 | 13:26
بعد ان نجحت فصائل المقاومة الفلسطينية، باقتحام عدد من المستوطنات الإسرائيلية المحاذية لحدود قطاع غزة، بشكل تكتيكي عسكري غير مسبوق في تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي؛ خاصة وان الاقتحامات لم تكن ضمن قواعد الكر والفر، وانما وفقا لمبدأ الاقتحام والسيطرة الممكنة؛ وهي استراتيجية تكاد تكون مستحيلة في ظل فارق الإمكانيات بين فصائل المقاومة الفلسطينية والإمكانيات العسكرية الإسرائيلية المدعومة أمريكيا واوروبيا. هذه الاقتحامات كانت من أبرز نجاحاتها ان المقاومة الفلسطينية قد وجهت ضربة امنية لإسرائيل غير عادية؛ كفيلة بتهشيم الصورة النمطية لدولة الاحتلال الإسرائيلي والتي تتدعي بانها واحدة من اقوى الدول التي تمتلك أجهزة امنية في العالم. وفي الغالب سيكون لهذه الضربة انعكاسات كبيرة بعد الحرب سواء على الخارطة الأمنية الإسرائيلية، وكذلك على الخارطة السكانية الإسرائيلية في المستوطنات المحاذية لغزة. علما في حال استخلصت الفصائل المقاومة الفلسطينية او اللبنانية العبر من هذه المواجهة، فان ذلك قد يشير الى ان الجولة القادمة ستكون في الغالب جولة التحرير الجزئي او الكلي لفلسطين. وبعيدا عن الاحصائيات حول القتلى والجرحى والاسرى من الطرفين والتي في الغالب هي ارقام غير دقيقة لصعوبة العملية العسكرية وتعقيداتها الأمنية، الا ان الأرقام قابلة للزيادة في الساعات والأيام القادمة بشكل كبير، وفي الغالب قد تصل الى ما يزيد عن 100 ألف ما بين قتيل وجريح واسير من الطرفين " الفلسطيني والإسرائيلي " وخسائر مادية بالمليارات. وهنا يبقي السؤال الى اين تتجه الأمور؟ وما هو مستقبل هذا المواجهة العسكرية؟ وللإجابة على هذا السؤال نضع امامكم عدة سيناريوهات:
السيناريو الأول – سيناريو المنطق العسكري " العقلاني ":
ويتمثل في قيام إسرائيل بهجمات عسكرية مؤلمة على الفلسطينيين ولكنها ليست مدمرة بالمعني الشامل ويسعى هذا السيناريو الى اتباع عدة خطوات:
الخطوة الأولى- استيعاب الضربة: من المنطق ان تسعى دولة الاحتلال الإسرائيلي ومؤسساتها الأمنية والعسكرية الى استيعاب الضربة والسعي الى ارجاع الأمور في داخل المستوطنات الإسرائيلية الى ما قبل السابع من أكتوبر وبدا عملية طوفان الأقصى. هذا الاستيعاب لم تنجح المؤسسة الأمنية والعسكرية به على الرغم من مرور ما يزيد عن 48 ساعة من بدا عملية طوفان الأقصى، وهو ما يسجل اخفاقا امنيا وعسكريا إسرائيليا جديدا.
الخطوة الثانية - الضرب الموجع المحدود: من المتوقع ان تقوم القوات الإسرائيلية الجوية بتوجيه ضربات جوية كبيرة لقطاع غزة موقعة خسائر بشرية ومادية كبيرة، نتيجة لاستهدافها مواقع مدنية في الغالب، متزامنا مع توغل عسكري محدود وبالتحديد على حدود قطاع غزة بهدف منع زحف رجالات المقاومة الى المستوطنات وتقديم الدعم والاسناد للمقاتلين الفلسطينيين في داخل المستوطنات الاسرائيلية. علما ان هذه الخطوة تشير الى هجمات عسكرية إسرائيلية تشبه الى حد كبير العدوان الإسرائيلي على غزة عام 2014 والذي أدى الى استشهاد ما يقارب من 3500 فلسطيني تقريبا.
وقد ترجح القيادة في إسرائيل هذا السيناريو " العقلاني"، لعدة أسباب أهمها، انها تخشى من تدخل حزب الله في الجبهة الشمالية خاصة في ظل رسائل التهديد التي وصلت دولة الاحتلال الإسرائيلي سواء تلك التي جاءت على لسان قيادات من حزب الله او بعض القذائف الصاروخية التي سقطت على مستوطنات الشمال بإعلان رسمي من حزب الله، وهي بمثابة مكاشفة واضحة من حزب الله لإسرائيل مفادها غزة ليست وحدها في هذه الجولة. هذا بالإضافة الى حالة اللاستقرار التي تعيشها إسرائيل مؤخرا سواء تلك الاحتجاجات التي شهدتها المدن الإسرائيلية احتجاجا على إجراءات نتنياهو الداخلية، او حالة الخوف التي تعيشها الجبهة الداخلية الإسرائيلية نتيجة طبيعية لنجاحات المقاومة في قتل واسر العديد من جنود الاحتلال الإسرائيلي من المستوطنات ومنهم رتب وجنود نخب وفقا للوصف الإسرائيلي لهم. كما ان قيادة الاحتلال تخشى من مفاجئات قوية من قبل المقاومة في حال التوغل البري الكبير في غزة.
السيناريو الثاني – السيناريو المجنون:
قد تسعى دولة الاحتلال الإسرائيلي الى تدمير قطاع غزة بصورة كبيرة وكبيرة جدا، كما جاء على لسان قيادات دولة الاحتلال الإسرائيلي، وذلك من خلال الخطوات التالية:
الخطوة الأولى: التركيز على التخلص من وجود أي مقاتل داخل المستوطنات الإسرائيلية من خلال ملاحقتهم، ومنع أي اسناد لهم قادم من قطاع غزة. مقرونا ببعض العمليات الجوية المحدودة.
الخطوة الثانية: البدء بإنشاء منطقة عازلة على طول الحدود الفاصلة بين قطاع غزة والمستوطنات الإسرائيلية. وذلك من خلال اتباع قوات الاحتلال أسلوب الحزام الناري، وسياسة الأرض المحروقة بالكامل. وقد يتزامن هذا مع ارتكاب إسرائيل بعض المجازر بحق المدنيين الفلسطينيين لدب الرعب في نفوس الفلسطينيين كجزء مهم في صراع الحرب النفسية الدائرة منذ اللحظة الأولى من هذه الجولة العسكرية. بعد ان نجحت المقاومة في كسب البدايات في ارعاب المستوطنين والإسرائيليين في العمق.
الخطوة الثالثة: بعد ان تسيطر إسرائيل على الحدود الشرقية لقطاع غزة، ونجاح هذا الامر مرتبط بقدرات المقاومة الفلسطينية سواء في افشاله او ابطائه او انجاحه. سوف تسعى إسرائيل الى تقسيم قطاع غزة الى عدة مناطق جغرافية اقلها ثلاث مناطق " شمال – وسط – جنوب"، علما ان كافة التحركات البرية الإسرائيلية ستكون مقرونة باتباع سياسة الأرض المحروقة.
الخطوة الرابعة: سوف تسعى قوات دولة الاحتلال الى اعتقال جزء كبير من المدنيين الفلسطينيين، بهدف إيجاد مساحة أكبر للتفاوض مع فصائل المقاومة الفلسطينية بعد انتهاء الحرب، والتي تمتلك عدد كبير من الاسرى الإسرائيليين لديها.
ومن المتوقع ان يستمر هذا السيناريو شهر على اقل تقدير، وقد يزيد وفقا للحالة الميدانية على الأرض، ففي حال قدمت المقاومة الفلسطينية مفاجئات كبيرة وموجعة لدولة الاحتلال فان العمر الزمني لهذا السيناريو لن يزيد عن شهر، اما في حال امتلكت قوات الاحتلال مفاجئات ضد الفلسطينيين قد يصل هذا السيناريو لعدة أشهر، وربما في هذه الحالة ينتهي بإيجاد قوات دولية او عربية في قطاع غزة.
ختاما – من خلال القراءة للميدان يبدو اننا أقرب للسيناريو الثاني " المجنون “، فقد تذهب إسرائيل الى هذه السيناريو لإيمانهم بانه لا خسائر لديهم أكثر مما خسروا من المنظور الاستراتيجي، مقرونا بالحاجة الملحة الى تصحيح صورتهم الأمنية والعسكرية داخليا وخارجيا بأسرع وقت ممكن، بالإضافة الى امتلاك الأجهزة الأمنية الإسرائيلية مؤشرات تفيد بعدم دخول حزب الله اللبناني المواجهة العسكرية بشكل جدي.