الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

"طي النسيان، ونسياً منسياً"

"طي النسيان، ونسياً منسياً"

تاريخ النشر: 2026-02-08 | 12:16

من عاش لنفسه فقط عاش صغيرًا، ومات صغيرًا، ومن عاش لنفسه، وشعبه، ووطنه، وكان إنسانًا صالحًا يعمل الصالحات ويحب الخير لكل الناس، وعاش شاكرًا، ذاكرَا، عاطّرًا، وبالخير ماطّرًا كالغيث نافِعًا أينما حل، ونَزل نفع. قال تعالى: "اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا ۚ وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ"؛ فمن عمل ذلك عاش كبيرًا، ومات كبيرًا؛ وترك أثرًا جميلاً جليلاً نبيلاً فواحًا كالرحيق قبل الرحيل، وبهذا يكون قد خلد أثره بعد موته يقول الله عز وجل: " إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ "، لأنه كان مطيعًا لله ورسوله ويُعلم الناس الخير ؛ وكم من إنسانٍ مشهور في الأرض لا وزن لذكره بين الملائكة في السماء، وكم من مجهولٍ في الأرض لكنه مشهور مذكور عند الملائكة في السماء. إن الإنسان منا حينما يُولد يوضع في لفة، وحينما يموت يلف في لفة "الكفن"، وما بين اللفة، واللفة "أي الكفولة (أو القماط _المهاد)؛ والكفن"، تأخذنا الدنيا في لفة؛ وتمضي الحياة ؛ "ويوم القيامة يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ". وتسرح في أغلب الناس الدنيا، ويفرحوا، ويمرحوا فيها، في مراحل متعددة متواصلة من مرحلة في المهد صبيًا، ثم مرحلة بلغ أشدهُ، ثم الخاتمة مرحلة شيخًا كبيرًا،" ومنكم من يرد إلى أرذل العُمر لكى لا يعلم من بعد علمٍ شيئًا"؛ وتدور الأيام والحياة في الإنسان ما بين التعليم، والعمل، والأمل، وما بين مشاغل، ومشاكل، وهموم الحياة اليومية؛ وكل ذلك يمضي، وكل خير أو فرح أو ضُرٍ، أو مُر مهما كان مُّرْ فْسَّيَمُرْ، ولن يَستمر؛ كل ذلك في الإنسان يسير، بالمسير، والسيرة والمسيرة، وتجرى الأيام مسرعةً كالمسافر المُنطلق مسرعًا في السيارة، أو في القطار، أو في الطيارة توشك أن تصل نهاية رحلتها للهبوط لمحطة الهبوط الأخيرة في الدنيا؛و بينما عجلة الزمان تدور مُسرعة، من غير توقف، والأيام والشهور والسنيين تمضى مسرعة كالبرق، أو كلمح بِالبصر ، وخاصة في هذا الزمان المُـتسارع؛ ومن تفاصيل، وأحداث الحياة اليومية يصل بعض الناس لذروة القوة، والبطش، والمجد، والعلو، والزهو، والظهور المتكرر على شاشات التلفاز وبعض الناس يحل ضيفًا، ووجهًا معروفًا على أغلب نشرات الأخبار، وعلى الفضائيات، ويشغل حيزًا كبيرًا على أغلب وسائل الإعلام، وقد لا يمر يوم إلا وتجد أغلب وسائل الإعلام، والتواصل الاجتماعي مملوءة بذكره، والحديث عنه ومعه؛ ومتابعة أخباره، ومتابعة كلامه وتصريحاته؛ كما تجد ملايين من المتابعين للمشاهير يوميًا، خاصة إن كانوا من أصحاب السعادة، والمعالى، والسيادة، والرئاسة، والزعامة، والقيادة، والمُلك، والحُكم، والتحكُم من صناع القرار من أصحاب سلطة القرار، والسلطان، والجاه، ومن الأمراء، والسادة؛ وكبار المحللين من الساسة؛ و فجأة سرعان ما يُسدل الستار على حياة أي إنسان منا، ومنهم، وبمجرد موته تبدأ رحلة الذاكرة في التلاشي، ونسيانه بسرعة مذهلة أكبر وأكثر مما تتصور، ويسقط المنصب واللقب، ويصبح اسمه الميت، و قدموا الجنازة، أو الجثمان للصلاة عليه. وكأن الوجود البشري مجرد كتابة على رمال الشاطئ تمحوها الأمواج المتعاقبة؛ وكأن حياة الإنسان هي رحلة مسافر غريب كمن دخل من باب وخرج من باب آخر؛ أو كالذي جلس وقت الظهيرة يستظل في ظل شجرة تم تركها وقام!. وبِمجرد ما يموت الإنسان يصبح طي النسيان، ونسياً منسياً سواء كان إنسًيا أو جنيًا؛ يتلاشى ذكرهُ بين الناس سريعًا وإن الحقيقة القاسية التي يواجهها البشر هي أن أغلب الأشخاص يُنسون تماماً في غضون أقل من 100 عام فقط من وفاتهم؛ ومع رحيل جيل الأحفاد، ينقطع الرابط العاطفي والحي مع الشخص، ويتحول إلى مجرد اسم في شجرة عائلة أو سجلات تاريخية في الذاكرة الجمعية، وتصاعد المنحنى؛ وهنا تشير بعض الدراسات إلى أن الاهتمام بالشخصيات العامة يصل إلى ذروته (زيادة بنسبة 9,400% في الأخبار) فور الوفاة، لكنه يبدأ في الانخفاض السريع بعد شهر واحد فقط؛ حيث يفرق الباحثون بين نوعين من الذاكرة: الذاكرة التواصلية: التي تعتمد على الأشخاص الذين عاصروك وهذه تتلاشى بسرعة؛ والذاكرة الثقافية: التي تعتمد على الإنجازات الموثقة (مقالات، مؤلفات من الكتب، بحوث علمية ، ورث علمٌ ينتفع به، وعمل الخير ، والكثير من الصالحات)؛ وتلك الأمور هي التي تضمن بقاء الاسم لفترة أطول. أما من جانب المنظور النفسي، والروحي من الناحية النفسية، ربما كان النسيان نعمة من النعم تؤدي لتواصل عجلة الحياة واستمرار التكيف مع الفقد للحبيب، والعزيز خاصة الأم والأب، فيكون النسيان نعمة تُجبر الأحياء من الأبناء على المضي قدماً لإعادة بناء حياتهم من جديد بعد فقد السند مما يجعل نسيان التفاصيل اليومية للمتوفى ضرورة بيولوجية للنجاة؛ ولتواصل الحياة؛ أما من المنظور الإيماني، فإن هذا "النسيان الأرضي" يقابله "بقاء العمل"، حيث ينقطع عمل ابن آدم بعد موته إلا من ثلاث: "صدقة جارية أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له"؛ وإن الحكمة من النسيان إدراك المرء لسرعة نسيانه بعد موته، وعدم التعلق في الدنيا؛ وهذا الأمر لا يبعث على اليأس، بل على التحرر من التمسك بالدنيا؛ فإذا كان الناس سينسونك سريعاً، فلا داعي لتعيش حياتك من أجل إرضائهم أو الخوف من أحكامهم؛ ولذا فإن القيمة الحقيقية تكمن في الأثر الذي تتركه في القلوب والعمل الذي قدمته سعيًا لآخرتك، وابتغاء مرضاة رب العالمين؛ وبينما يتلاشى الجسد، وتخبو الذكرى، يظل الأثر والعمل هما العملة الوحيدة التي لا يطالها النسيان في موازين الحقيقة؛؛ ولقد ورد تعبير "نسياً منسياً" على لسان السيدة مريم عليها السلام في لحظة ضعف إنساني وخشية من مواجهة المجتمع. لكن القرآن الكريم يضع ميزانًا مختلفًا للبقاء والنسيان: بقاء النفع (قانون الوجود): يقول الله تعالى {أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا ۚ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ ۚ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ} هنا نجد القاعدة الذهبية: الخلود مرتبط بمدى النفع الذي قدمته للآخرين. كتابة الأثر: يقول تعالى: "إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ". والأثر هو ما يتبعه الناس من بعدك، وهو الذي يضمن لك حضوراً في سجلات السماء حتى لو نسي أهل الأرض اسمك. ومن أمثلة الذكر الحسن دعوة سيدنا إبراهيم عليه السلام ربه قائلاً: {وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ}. وهي دعوة بأن يظل ذكره طيباً ومؤثراً عبر الأجيال وإذا كان النسيان البشري حتمياً فإن الأثر هو "الروح الثانية" التي تعيش بعدك. فعندما تدرك أن الناس سينسونك، ستتغير أولوياتك للصدق مع نفسك، و ستتوقف عن فعل الأشياء رياء "للمظاهر" لأن المظاهر ستزول، وستبدأ بفعل الأشياء "للقيمة" لأن القيمة تبقى التركيز على الكيف لا الكم، فليس المهم كم شخصاً سيتذكر اسمك، بل كم شخصاً تغيرت حياته للأفضل بسببك؛ فقد تكون "نسياً منسياً" عند الناس لكنك "مذكور، ومشهور" في ملكوت السماء، وهذا هو الخلود الحقيقي؛ وختامًا إن رغبتنا في ألا نُنسى هي صرخة فطرية للخلود، والطريقة الوحيدة لتلبية هذه الصرخة هي أن نزرع في الأرض ما لا تقتلعه ريح الزمن؛ ويومًا ما ستتحول الذّكرى لقاموس يحتوي أقسى كلمات الفراق والشجن، والدموع، ويبقى الموت حاضرًا في كل الأوقات، والدنيا دار ممر وليست بدار مقر، وإن الأخرة خيرٌ ، وأبقى؛ ويومًا ما سنصبح جميعنا نسيًا منسيًا.

×
أخبار
باكستان تؤكد "المضي الى أبعد مدى" في الدفاع عن السعودية صحيفة تتساءل: صمت "حماس" على الاغتيالات التزام بالهدنة أم فقد لقدرة الرد؟ القرن الأفريقي ساحة تنافس جديدة: النفوذ المتكامل لتركيا يقابله الحسابات البحرية لإسرائيل خبراء ودبلوماسيون: السعودية تعيد رسم عقيدتها الأمنية دون التخلي عن "المظلة الأمريكية" إصابات وتوغلات متصاعدة جنوبي لبنان وسط استمرار الخروقات لـ"اتفاق صيغة الإطار" سجال حول انحياز "نيويورك تايمز": الصحيفة تعتذر وتعدل مقالا حول قتلى 7 أكتوبر الشيخ يطالب بروكسل بالضغط على إسرائيل لتسهيل الانتخابات واحتجاز «المقاصة» تقرير: 3 سيناريوهات ترسم مستقبل المواجهة السعودية-الحوثية تصعيد ميداني واعتداءات للمستوطنين وقوات الاحتلال تطال محافظات الضفة والقدس الجامعة العربية ترحب بالقرار الأممي بشأن مشاركة دولة فلسطين في أعمال الجمعية العامة مركز "عدالة" يرد على طلبات شطب القوائم والنواب العرب وعوفر كسيف من انتخابات الكنيست شهيد وإصابات في خروقات إسرائيلية متواصلة بغزة وارتفاع ضحايا المباني الآيلة للسقوط شهادات ضباط إسرائيليين تكشف جرائم الذكاء الاصطناعي والنهج المتعمد لقتل مدنيي غزة مقررون أمميون: حظر 12 دولة التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية خطوة متأخرة بالاتجاه الصحيح ميرتس: لقد انتهى عهد الصداقة الأوروبية "غير المشروطة" مع الولايات المتحدة استطلاع: 71 % من الأمريكيين لا يثقون برؤية ترامب لإنهاء حرب إيران قطر تعلن توقيع اتفاقية مع الأمم المتحدة لإدخال نحو 1.3 مليون لتر من الوقود إلى قطاع غزة استطلاع: تراجع كبير لحزب نتنياهو الليكود وآيزنكوت يتقدم ..والقوائم العربية هي الحسم صفعة أممية لأمريكا..تصويت عالمي في الجمعية العامة لصالح حضور وفد فلسطين ف.تايمز: قائد الجيش الباكستاني منير يحث إيران على كبح الحوثيين باكستان تنسحب من اللعب مع إسرائيل في أولمبياد الشطرنج  تضامناً مع الفلسطينيين ترامب: أقترب من قرار حاسم بشأن الحرب مع إيران وقضاؤنا على النظام وارد النقابة: الصحفيون المرضى والمصابون في غزة يعانون ظروفا قاسية ويحتاجون إلى إجلاء طبي للعلاج قرار إسرائيلي بحظر وصول المزارعين الفلسطينيين لحقول الزيتون المصنفة "أراضي دولة" تحليل: حرب فبراير 2026 عززت موقع إيران الإقليمي وكشفت حدود القوة الأمريكية-الإسرائيلية أمريكا تمنح مسؤولين إيرانيين تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة تقرير: "تحالف مكة" يجمع القدرات الدفاعية للرياض وأنقرة وإسلام آباد دون قيادة موحدة أمريكا توافق على بيع محتمل لطائرات "إف-35" إلى السعودية بقيمة 24.3 مليار دولار التحول الديموغرافي يعيد رسم خريطة الناخبين في الولايات المتحدة الأردن وفرنسا تؤكدان ضرورة اتخاذ خطوات عملية لتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط