تاريخ النشر: 2018-01-18 | 15:02
تاريخ النشر: 2018-01-18 | 15:02
غُرفةٌ مُتفوّقة على زمانِها وتغطّيها الغرابة، جدرانها الصامتة تخافُ منها من غير أن تتنصّت. لا حبور عادي البتّة هناك.. فالعينان غير قادرتان على فهمِ المسرّة في دهرِ الرّصاص. يقطنُه الخوْفُ من منامٍ لا يفهمُ جوهره، وتسيلُ منه أفكارٌ تركها الاضطراب. يرهقُه التفتيش عن أُمنيةٍ خطفتها منه الحيّز المظلم، وعن أزمنةٍ لا تقبلها العاصفة. غادرتْ البارحة، ولم يظلّ له منها غير لوحتيْن، وفرشاة رسمٍ قديمة مهملة فوق ورقٍ مقوى للرسم، وقدحُ مشروبٍ مُسكر بقية نصفه موحشٍ، ورسمٌ لفتاةٍ لم ينتهي بعد، وأحداث عالقة في عقله لا يمكن نسيانها. أتتْ عتمةٌ من لوْن أصفر، موحشةٍ، عبقها طلّ، مضطربة بلونها على السّرير، تموجات ووهم، وطعم "أسيد لاذع".. وخلف باب خشبي نشّفها شتاء بارد كراسات وحيدة، وريح مجنونة تعصف. في العينين أرض روحٍ، ومنامات تسقط، واستفسارات ملغزة، ونهاية تتمطّى من الحرمان وحتّى موت الهواء، ومن انكشافات الخيبة وحتّى الوَسَن..
خارج الغُرفة صقيع مجنون، وفي الغرفة المضاءة بنورٍ أصفر رائحة مصحّات، وتنورة حمراء قصيرة لفتاةٍ يمكنُ حبّها.. وفي السّماء المكفهرّة هفوة خرسانية، وعشق سابق لأوانه. لا حروف سوى الإباء، ولا طاقة إلاّ لرفع الذنب وتخزينه من قتل وحشي لنصوص طاهرة. من آصرته أن يقترض كرْبه ليقذفه خارج عزلته المجنونة. إنّه ليدري أنّ منامه لم يكتمل، وأنّ حسّه لا ارتداد له، ولكنّ المهادنة مع القسمة توجعه، والتذلل لقسمةٍ شرّيرة توجعه بشكل فظيع. ويوجعه مذاقُ الريح اللاسع، حينما تبدأ الأشياء تضيع ماهيتها.
لقد وقعتْ الروح بشكل مغالٍ، فأكلها الزمن، وبدّلتْ عتمة الجوّ البارد سحنته. كلّما جرّب الإصغاء إلى الصمت المجنون، احتلّته رسومات لا طائل منها. وآلمته تلك الأزمنة الّتي أقصتها الهجرة، فغادر تحت سماءٍ مكفهّرة جافة وباردة، وما آبتْ الحياة تدري كيف تساويه، ولا قمرُ شباط كيف يشكّله ليعتادَ الطّقس الصّقيع.
غادرتْ بارحة أخرى، ولم يظلّ له منها سوى رسم حائر، وخواطر، وقدحُ مشروبِ مُسكر موحش، ورسم يكاد أن يكتمل، وأحداث عالقة لا يمكن نسيانها. فأتتْ عتمةٌ من نور أصفر، موحشة، عبقها طلّ، مضطربة بلونها الغريب على السّرير، طبقٌ بلاستيكي من العدس، وكسرة من خبزِ قمحٍ ووردة جورية ضاوية. علبٌ من الألوان المختلفة، وعلبةُ عيدان ثقابٍ وسجائر من النّوع الفاخر، ولوحات لأناسٍ لا يعرفهم.. فرشاة رسمٍ صغيرةٌ، وعلبة تلاوين، ومنفضة سجائر وسِخة، ومشروب مسكر.. وألواح كرتونية قديمة، وأخرى عليها أصباغ، وقنديل عتّمته عتمة سابغة.
ينظر إلى الطريق فلا يرى سوى نور أصفر خافت، وحانةٌ على زاويةِ الطريق فارغة إلاّ من بقايا عطور فاخرة لنساء وبقايا الغزَل على أبوابها. لا تحيّنٌ لقتلِ الزمن، والأملُ مرهقٌ من الفشل، والعُسر الإنساني، والقوة المتزينة بالصّدْق، والحديث المستنفد، والتبتّل الممتهن. له آصرة أن يبغض ديكَ جاره الذي عوّد نفسه على سماعه، فاكتشف أنّ الإنسان يمكنه الاستفادة حتّى من ديك مجنون بصياحه.. له آصرة أن يكره الأشياء الشريرة، وأن يسترد أماكن شهوته.
كان في وطنه شابّا رائعا، وكان متمكّنا من تأليف القصص.. وكانت روحه أكثر حرارة، وضحكاته أكثر جلية. كان يدري كيف يعشق، وكيف يقتنص العيشة.. كان متمكّنا من فعل المَلاحَة، وعلى الاستماع في خفاء لكلام المسنين في جلساتهم الصباحية. بات شابّا، ولم يعد متمكنا إلاّ على الشوق، وبات للطمأنينة جوهر آخر في عروقِه.
غادرت بارحة أخرى، ولم يظل له منها غير رسم قد انتهى، وأحداث عالقة في عقله لا يمكن نسيانها. فأتتْ عتمة من نور أصفر، موحشة، عبقها طلّ، مضطربة بلونها الغريب.
على السرير تنورة حمراء قصيرة نسيتها فتاة وعطور ثمينة ٌ.. وكرتونة صفراء للرسم وألوان مملة، وصوت مذياع لا يسكت.. وعلى الحائط المجاور رزنامة لكنيسة كاثوليكية، وأصوات لا ناس لها. يمسك بيديه مكاتيب فيها كلمات عن الحُبِّ لفتاة أحبّها، وكأس من عصير الليمون، ولحن غربي وأمامه جدار لونه طلاءه ممل، وحيدٌ كبومة، وقانطٌ كالرسم.
جوّ للاستسلام، وجو آخر للحياة الشّريرة.. له آصرة أن يبغض الحافلات القديمة، والسخافة والطقوس، وله آصرة أن يعصي على بساطة الجو، ويتبرأ من الطوائف المذهبية.. وله آصرة أن يذبّ عن الناس السابغين.
على السّرير ظلّ دمارٍ، ووحشة، واشتياق مجنون غير نافع. غادرتْ البارحة عتمة أخرى، ولم يظلّ له منها غير أحداث عالقة في عقلِه لا يمكن نسيانها.. فأتتْ عتمة من نورٍ أصفر، موحشة، عبقها طلّ، مضطربة بلونها الغريب.