تاريخ النشر: 2017-04-22 | 23:24
تاريخ النشر: 2017-04-22 | 23:24
لم أكن أتوقع رحيل القائد والمفكر الوطني العروبي الكبير عثمان أبو غربية عضو اللجنة المركزية لحركة فتح على وجه هذه السرعة وأن يختطفه الموت من بيننا ونحن في أمس الحاجة لرجل في زمن عز فيه الرجال، رجل بحجم وطن إذ سجل بتاريخه الحافل مساحة كبيرة من الفعل اللامتناهي والمنقطع النظير عبر مراحل حياته ومحطاته النضالية التاريخية المختلفة.
عثمان أبو غربية بالنسبة لي وأنا من جيل يصغره بعقدين ويزيد يعني الكثير الكثير، يعني الانطلاقة الأولى والنشأة وملامح تكوين قاعدة الانطلاق نحو النصر والتحرير، ويعني التعبئة والتنظيم ويعني التعبئة الفكرية والتوجيه السياسي والوطني لطلائع قواتنا العائدة إلى أرض الوطن، ويعني معارك الثورة الفلسطينية المتعاقبة ودوره الطليعي والريادي، ويعني ذاك الجيل الذي كتب بالدم لفلسطين.
هو العقل الناظم لمحطات حركتنا الرائدة المتتابعة ولمؤتمراتها المتتالية، على مدار خمسين عاماً، كان فيها المفكر المتوثب وصاحب الرؤية العميقة لتصويب البوصلة التنظيمية، وببعد نظره الثاقب شكل حالة ورأياً قاطعاً في مواقف الحركة المفصلية لتهتدي بهديه قيادة منظمة التحرير الفلسطينية وسلطتها الوطنية لما يحمل من بصيرة يقرأ الواقع بعناية بالغة وحرص وطني ويستشرف من خلالها المستقبل.
أما عن قلمه الماسي الذي حلق به يؤرخ لفتح ولثورتها المعاصرة فكان القلم الماضي لا يتوقف عند حدود، وغرد به ببما لذ وطاب من أبيات القصيد وسبر بالرواية أغوار نصف عقد من زمان الثورة الفلسطينية، فكان الشاهد بقلمه على حكاياتها بعدما تنقل معها عبر كل دروبها.
عرفت هذا الرجل قبل عشرين عاماً عندما التقيته أول مرة خلال ترأسه للجنة العليا المخيمات الصيفية إلى جانب الراحل الكبير أبو الوطنية فتحي البلعاوي والتي شكلها الرئيس الراحل الشهيد القائد الرمز ياسر عرفات، وأذكر يومها بأنني كنت أصغرهم سنا حيث مثلت الشبيبة في هذه اللجنة التي أعتز برموزها من الفدائيين الأوائل منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر.
لم أرَ في القائد عثمان أبو غربية إلا كل حب واحتضان وهدوء ورتابة ورجاحة عقل قائمة على الحكمة والتروي، وروح الفدائي، كان لي شرف العمل معه في هيئة التوجيه السياسي والوطني والذي كان يقف على رأس هذا الجهاز التعبوي لقواتنا الباسلة مساعد لمفوضها العام الرئيس ياسر عرفات، كان خير موجه لنا في عملنا من أجل تحقيق رسالة الشهداء الذين قضوا على درب الوطن، كانت فترة عملي وجيزة لكنها تعتبر محطة فارقة في حياتي ظفرت خلالها بمعرفة هذه القامة السامقة لأنهل من قاموسه الفكري وإرثه النضالي.
كم كنت سعيداً وفخوراً ومعتداً يوم أن طلبت منه الموافقة على طلب أستئذنه فيه بالنقل إلى وزارة الخارجية، تمسك بي كثيرا وآثر أن أبقى معهم وتحدث لي عن مستقبلي الواعد في هذه الهيئة كشاب في مقتبل العمر، لكنه اقتنع بمبرراتي، فوافق مشترطا علي أن تكون إجازة لمدة عام؛ لعلي لم أوفق هناك وأعود للعمل فيها ثانية.
ويوم أن حط في العاصمة السورية دمشق قبل ستة أعوام ويزيد للمشاركة في إحياء ذكرى رحيل الشهيد الرئيس ياسر عرفات استقبلته جماهيرنا الفلسطينية في مخيم اليرموك، حملوه على الأعناق بعدما ألهبهم بخطابه الثوري والذي استهله صادحاً:
"في حرم ياسر فات الذي قال يا جبل ما يهزك ريح وع القدس رايحين شهداء بالملاين.. إلخ" وأذكر يومها بأنهم أخرجوه سريعاً من تدافع أهلنا هناك للسلام عليه؛ الأمر الذي لم يمكنني من معرفة وجهته، لكنني سُررت كثيراً عندما اتصل بي الأخ والصديق العزيز الدكتور سمير الرفاعي عضو اللجنة المركزية لحركة فتح وعضو مجلسها الثوري آنذاك ومعتمدها في سورية، ليخبرني بأن الأخ عثمان أبو غربية يسأل عنك، ويرغب في انضمامك إلينا، ونحن الآن في مكتب ال 36 بدمشق، ذهبت مسرعاً إلى هناك لأستمتع بحديثه السخي والثري بصحبة الحاضرين من لجنة إقليم فتح في سورية وكادرنا التنظيمي هناك، والذي يعتز به ويفتخر بأنه إبن فلسطينيي سورية الذي عاش معهم حقبة نضالية من الزمن فيها الكثير من المآثر.
ما زالت كلماته تطن في أذني يوم أن اتصلت به آخر مرة، كي أطمئن عليه، كانت روحه عالية ومعنوياته كبيرة تحمل كل الأمل، يصر على الحياة ليكمل الدرب الذي سلكه الشهداء، حيث قال لي تمنيت أن أكون في رام الله خلال زيارتك الأخيرة لها، لكنني حتما سأراك فيها قريبا جدا، فأنا مؤمن بنجاح عمليتي على الرغم من إدراكي لخطورتها، هي ذات الكلمات وأكثر التي كان يقولها لصديقنا المشرك وصديقه الحميم ورفيق دربه الأخ القائد عبد الله أبو الهنود، حيث لم يغب الراحل عثمان أبو غربية عن أحاديثنا اليومية التي كم عدد لي خلالها الصديق المخلص والوفي عبد الله أبو الهنود خصاله وسجاياه وشمائله ومناقبه الفريدة.
لم يبرح عثمان القلم حتى وهو على سرير المرض وظل يكتب ويكتب يقتنص كل دقيقة متبقية من حياته قبل أن يتوقف قلبه من أجل إثراء المشهد السياسي والثقافي بكتاباتها السياسية والأدبية والإبداعية حتى جف القلم وطويت صحيفته في الدنيا، صحيفة سطرها بفكره النير وعطائه الذي لا ينضب وحبه للوطن وحرصه على حركته الرائدة فتح، والتي يعتبر أحد روادها الأوائل وعمالقتها الأقحاح.
رحل قائدنا ومعلمنا المفكر الوطني والعروبي الكبير الكاتب والأديب عثمان أبو غربية، رحل وظلت زوجته العربية التونسية الفلسطينية الصابرة المبدعة هالة الشريف تطوقه بياسمين الهند وتمنحه الأمل؛ لعلها لم تهبه قلب لكنها وهبته الحب والوفاء والأمل في ما تبقى له من أيام على وجه هذه الدنيا، ونحن نسجل شهادتنا في هذا الطود العظيم ننتظر زوجته الرائعة التي رافقت حياته ورحلته الأخيرة أن تطل علينا بما حفظته لنا من كتاباته الأخيرة، كي ننهل منها كما نهلنا من سابقاتها حتى توثق في المكتبة الوطنية الفلسطينية، بل في المكتبة العربية والعالمية.
رحمك الله يا أبا عبد الله وأسكنك فسيح جناته مع الصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا.