غزة، يا غزتنا،
يا مكوفلة بالنار، يا مطوقة بالحصار، يا مخطوفة بالانقسام العار، يا صانعة المواعيد و البدايات متوجة بأكاليل الغار، مثل مهرة الله بالبراري لا تضيقه القيود، و لا الادعاءات الكاذبة و لا خراريف الجمود، بل أنت تحطمين الحسابات الموهومة، و تحطمين الأسيجة، و تدمنين اللعبة المقدسة التي اسمها لعبة القيامة المتجددة، حتى الذين يخطر على بالهم المريض أن يتركوك في ذيل القائمة، تغرقهم دهشتهم حين تتقدمين الصفوف، و تمدين صهيلك لإنقاذ حتى من تطاول عليك أو توهم بجنون أنك في قبضة اليد الرهينة، ليكتشف أنك وعد الوفاء، و مخزون الوطنية الذي لا ينضب، و أنك يا غزة عسل الصبر و صاعق الإنفجار.
رأيت غزة كما أعرفها و قد نقشت على صفحة الذاكرة الأولى، رأيتها في ميدان الجندي المجهول، و قد لبت النداء الفلسطيني الصافي الأول، نداء فتح، ألم نتعلم في حروف القراءة الأولى أن فتح تعني فلسطين، و أن فتح ذاكرة و وطن و عنوان و كيان و هوية!!! و أن غزة المسجونة في النقطة المخنوقة بين الماء و الصحراء و تحتشد فيها فلسطين من رأس النافورة إلى رأس النقب هي جسم المعجزة، بأن تكون كبيرة بالحلم، و حاضرة بالثورة، و فاعلة بانتمائها إلى قيامة فلسطين!!!
لقد رأيتك يا غزة تحضرين بلا إذن، بلا ترتيب مسبق، بلا جميل من أحد، فأنت كما أنت، حين تحضرين يتحول الجميع إلى مدهوشين أو شارحين لأطياف المعجزة، لست الرهينة بل المراهنين على اختطافكي مجرد عيال ضائعين أمام لوحة الغيب الآتي، حتى أن الانقسام العار انطوى فقط في قلوب أصحابه و صانعيه، تعفن و صار عبء عليهم، يدورون به في الأسواق ليبيعونه بثمنن بخس فلا يجدون من يشتري!!! و يلتفتون حولهم حيارة، فإذا بكي تمدين لهم حبل النجاة "أن يتوبوا، و أن يؤوبوا إلى رشدهم و يلعنوا غيهم، و يرجموا شياطينهم التي زينة لهم خطيئتهم" هذا هو حبل نجاتهم الوحيد.
يا غزة،
يا من حملتي فتح في رحمك في عام الأعاصير و الأمطار، حيت تمزقت خيامنا فوقنا، و ابتلعت أشداق البحر الهائجة صفوفاً من أكواخ، فعقدنا مع الله عقداًأن لا نموت حتى لو اكتملت عناصر الموت، تعلمنا فن الصبر و نحن أجنة في أرحام الأمهات، و تحول العذاب إلى سيوف، و الوجع إلى أناشيد، و المعاناة إلى وعود و هل فتح سوى هذه الأقانيم المقدسة؟؟؟
بين غزة و فتح علاقة تأسيسية، و وجدان مشترك، و محطات هي نفسها ركائز التاريخ الفلسطيني، و أكبر خطيئة ارتكبتها حماس و من لف لفها من جماعات الأخوان المسلمين، حين اتقدوا أن غزة يمكن بسهولة و تحت جنح الظلام و التآمر أن تبدل رآياتها، أن تخون عهدها الأول، أو تنكر أنسابها الأصلية!!! كانت هذه هي الخطيئة التي قادت إلى الإنقسام، و ها هي سبع سنوات عجاف توشك أن تنقضي، فما هي رسالة غزة التي يلتقطها العالم كل عام؟؟؟
الرسالة واضحة، لا للإنقسام، لا لتيه الفلسطيني في سيناء، لا لإمارت الوهم في غزة، لا لمشاريع الغموض ، غزة أول الذاكرة الوطنية، غزة أول الوجع الفلسطيني، غزة هي الوعد الأول في دولة فلسطينية مستقلة و عاصمتها القدس، فمن شاء فليئمن، و من شاء فليكفر، هذا هو أول الكلام و آخر الكلام.