لايملك الفلسطينيون أن يخرجوا من الهاوية التي وصلوها خطوةً خطوه بنفس الطريقه، أي على مهل إيقاع الخطوة خطوه ذاته، فالفلسطينيون لايملكون متَّسع الوقت اللازم لذلك، بل يغرس الوقت أنيابه الوحشيه في لحم هويتهم الحيَّ مازالَ. ويبقى أن لامفرَّ من أن يتوخّوا ذاك الخروج المحتَّم عليهم دفعةً واحده.
الآن، ودون إبطاء، يجب أن يتنصل الفلسطينيون، بِقِلَّةِ حياءٍ ودون حرج، من كافَّة الإتفاقيات والخطط والبرامج والمقترحات والمشاريع التي طرحوها أو شاركوا في صياغتها أو عُرضت عليهم وقبلوا بها أو وقَّعوها أو ناقشوها أو فاوضوا عليها طوال الخمسين أو السبعين عاماً الفائته. ورغم أنَّ التسويغات لفعل التنصل ذاك متوفرةٌ على الرَّف، جاهزةٌ للاستعمال عند الحاجه، كالتذرُّع مثلاً، إن اضطر الأمر ولاسمح الله، بعدم تجاوب إسرائيل مع أيٍّ من الإجتهادات والمحاولات السابقه، إلا أن الفلسطينيين حقيقةً غير مضطرين لسَوق الذرائع، طالما انقطع الحياء من ناحيه، ولكن بالأخص لأن الفلسطينيين إنما يرجعون إلى مطلبٍ أساسي، سيضطَرُ الآخرينَ، لا الفلسطينيين، إلى شحذ مخيلاتهم بُغية إيجاد المبررات لمعارضة ومجادلة مشروعيته.
انجرَّ الفلسطينيون بعيداً عن جوهر قضيتهم وباتوا يُساقون من مناقشة تفاصيلٍ خارج الجوهر إلى مناقشة تفاصيلٍ خارج التفاصيل التي فرَّختها، وأبعد عن الجوهر.
الخوض في متاهة مناقشة وتقييم وتعديل وتجميل تفاصيل الطروحات والمشاريع المعروضة للتداول لم يؤدِ ولايؤدي، كما اتَّضح منذ زمن، إلّا إلى مزيدٍ من التفاصيل الجاذبة للخوض فيها أكثر، وهكذا لن يوصل إلّا إلى الغوص أعمق لاستكشاف واكتشاف دهاليز أوفر للمتاهه. دهاليزٌ تفضي إلى دهاليزٍ إلى دهاليز، ويبقى الفلسطينيون عالقين في تيهٍ، طريق الخروج منه تائهٌ وقد ضاع أثر طريق الدخول إليه، وسيلهث الفلسطينيون وراء عظمَة الحلول المُتَصوَّره، أنفاسهم الشحيحة الأخيره.
لن يخسر الفلسطينيون وقتاً ربما يكون غير قابلٍ للتعويض فحسب، لكنهم حين لن يفيدهم ذلك في شيء، لربما يدركون أنهم يتحوَّلون إلى بقايا رُواةٍ لحكاية أرضٍ يُعثَرُ فيها يوماً على مومياء شعب.
يُنقِّب الفلسطينيون جاهدين عن فُتات أوراقٍ تَسنِد مواقعهم المهزوزة في سعيهم لتحقيق مكاسب ضئيله، بينما يتخلّون طواعيةً عن الورقة الرابحه. يستطيع الإسرائيليون أن يجادلوا وأن يحاولوا وأن يُفلحوا في إقناع العالم بأن فلسطين وطن اليهود، لكنهم لن يستطيعوا أن يحاججوا الحقيقة التي لا أوجُهَ لها ولا احتمالات بأن فلسطين هي وطن الفلسطينيين.
جواب الفلسطينيين على هوية الأرض، يكمن في إشهار الحقيقة التي وُجدت قبل تلفيق السؤال حول هوية الدوله: فلسطين التاريخيه هي وطن الفلسطينيين.
على الفلسطينيين أن يخرجوا من دُوار تلك المتاهه. والمتاهة ... متاهه. لايمكن الخروج منها بالتقدُّم في دهاليزها. التقدُّم في المتاهه هو بقاءٌ في المتاهه. وهكذا لن يسع الفلسطينيين الخروج منها إلا بتحطيم جدرانها.
على الفلسطنيين الكفِّ عن تتبُّع وملاحقة تفاصيلٍ لاتشبه في أحسن أحوالها إلا بريق ألعابٍ ناريةٍ، تتجسَّم إلى هباءٍ في فراغ. يتعين على الفلسطينيين إعادة الاعتبار والوجاهه إلى أوَّل الأولويات. حقُّهم وعودتهم إلى أرض وطنهم التاريخي يأتي أولاً على قائمة أهدافهم ... وأخيراً كذلك، طالما لم يتحقق بعد. ومن يُرِد أن يؤمِّن ترتيباً لائقاً لهدفٍ آخر، عليه أن يُزاحم مكانه على رأس الصفحة أو في ذيلها في قائمةٍ أخرى، لم تُكتب بعد ولن تُكتب الآن.
في العاطفه، ولكن أيضاً في المنطق وفي السياسة، عودة الفلسطينيين إلى الأرض التي عاشوا وعاش عليها آباؤهم وأجدادهم حتى عام النكبه، ليس بنداً تفاوضياً، بل أساسٌ لايمكن بدونه البناء عليه. على الفلسطينيين أن يمحوا آثار النكبة أولاً، وعلى ترف الاستمتاع بروعة التفاصيل أو استهجان بشاعتها أن ينتظر.