تاريخ النشر: 2016-03-02 | 00:20
تاريخ النشر: 2016-03-02 | 00:20
في رثاء الصديق رائد أبو حسين
أما وقد غاب نهار آخر، وانفض الجمع وغادر بيت العزاء، ولم يبق غير أعقاب السجائر ورائحة القهوة المرة، وبت هناك تحت التراب بعد أن خلعت عن بدنك ثوب الدنيا وبدلته مﻻئكة الرحمة بثياب اﻵخرة.
ها أنا أقف على شرف الرحيل أبكيك وأرثيك إن كان يليق بك البكاء والرثاء! وهل يجوز البكاء ويقام الرثاء على اﻷحياء؟! وكيف أعدد خصالك وسجاياك، وأنت حي هناك؟!
ألم أقل لك يا صديقي ذات دمعة بأنك لن تموت وإن مت؛ فستظل منيرا كالشمعة تحترق لتضيء لﻵخرين الطريق؟! ألم أقل لك في حضرة الدموع بأنني لن أكتب قصة اﻷمس وسأنتظرك هناك عند رأس الحارة وارف الظل وفي يدك سيجارة؟!
قلت لك يا صديقي في حضرة الترقب واﻻنتظار بأنني لست كاهنا ينفخ النار في حضرة آلهة المعبد، وﻻ نبيا في المهد تكلم؛ كي أهبك ما يليق بك من الصحة والعافية، فأنا ﻻ أملك غير دموعي التي كم حبستها غير أنك التقطها على حين غرة؛ فعزفت عن البكاء وأمسكت عن الحديث إليك أكثر من مرة.
ألم أقل لك يا صديقي:
ما عدت أطيق البعد عنك وﻻ القرب منك، والحزن يسكنني بدموع تتملكني كلما حاولت السؤال عنك، ماذا أقول لك بعدما عدت؟! أأعود بذات العيون التي تهرب من مقلها وتذرف الدموع؟! أم أعتكف في أيقونتي عساني أصير قديسا يمسح على جبينك فتبرأ؟!
واكتفيت بالدعاء لك وكنت كما أنت أتألم، وبالقرب كنت وبدمع العين أتكلم، وقلت لك: خذ إليك قلبي وﻻ تسلم، ووقفت أسترق السمع لنبضات قلبك ومن روحك أتعلم.
لكنني عدت إلى لقائك؛ كي أكون بالقرب في أكثرة من مرة أجود بالدمع وأذرفها في كل مرة، حتى قلت لك آخرة مرة:
مؤلم أن أراك تتألم؛ فخذ مني إليك يا صديقي وابرأ.
واﻵن يا صديقي وقد استعجلت الرحيل ودموعي تتساقط على جبينك الندي ويا بشراك وجبينك يتصبب عرقا وأنت مسجى في حضرة اﻷهل واﻷصدقاء في مشهد الوداع اﻷخير؛ ها أنا أعود وأقول لك قم خذ مني الروح وانهض.
السﻻم عليك يا رائد وإلى الخلود يا صديقي وقد اخترت أﻻ تمت وحييت بغرسك الطيب؛ فظفرت بالذكر الخير، وترجلت أيها الفارس، وفزت بما قاله الشاعر أبو فراس الحمداني:
"هو الموت فاختر ما عﻻ لك ذكره؛ فلم يمت اﻹنسان ما حيي الذكر"