تاريخ النشر: 2017-02-28 | 00:37
تاريخ النشر: 2017-02-28 | 00:37
بعد الفصل الأخير ينقشعُ الغيم.. يحطُ صيف كلمات الرحيل الساخنة.. أحاول التقاط القلم؛ كي أكتب قصة الأمس.. أكتبها بالدموع.. بالألم بالحسرة بلوعة الفراق.. أكتب ولا أدري كيف يسيلُ الرصاص من القلم.. الأوراق بللتها الدموع.. غرقت فيها كل مفردات اللغة.
ما أصعب أن تكتب بالدموع! ما أصعب أن تكتب قصة الأمس! القصة التي طالما قاومت كتابتها ورفضت فكرتها.. أن تكتب قصة الأمس عن صديق؛ كمن يجلد نفسه بسياط الذكريات.. هي ليست ترفاً.. إنها رحلة البحث.. البحث في روح سكنت بين كل الأشياء حلوها ومرها.
لم أكن أتوقع أن أكتب يوماً في غياب رائد..
رائد الذي ما تصورت رحيله يوماً.. رائد الذي أسميتهُ "البلدوزر"..
كيف يموت بهذه السرعة وعلى عجل؟! جاء عجولاً ورحل عجولاً!
في أول خميس لرحيله ذهبت إلى بيته لمواساة آله وذويه.. وجدت ثلة من الأصدقاء الذين لم يفارقوه طيلة أيامه الأخيرة.. يستمعون إلى الأغنية التي كتب كلماتها الشاعر الشاب علاء العبسي.. أطرقت السمع للأغنية:
"رائد يا أبو حسين سلم ع اللي قبلك" اخترتها نغمة لهاتفي المحمول كما اختاروها هم.
أمعنت في الإستماع للأغنية مراراً وتكراراً.. بينما يتسلل إلي حديثهم عن ذكرياتهم مع رائد.. أخذتني هذه الذكريات بعيداً إلى زمن جميل عشناه سوياً.. زمن الشبيبة التي رأيتها في ملامح ابنه محمود وأنا أوغل في النظر إليه.. محمود الذي كم أحبهُ رائد.. محمود الذي ترى في تفاصيله ملامح رائد.. محمود الذي لازمه خلال مرضه اللعين.
مرة أخرى حلقت في رحلتي مع رائد.. أبحث في عيون أبيه التي اغرورقت بالدموع.. أقلب صفحات أخواته واخوته وزوجته وأبنائه.. الغائب الأكبر والحاضر الأهم في رحلة البحث هذه كانت الأم التي رحلت قبيل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة.. حاولت أن أستعيض عنها بما من الممكن أن ترويه عن رائد.
لم يُفلح أحد في حل لغز الكلمة المفقودة.. لم أجد غير الدموع التي تساقطت من عيونها وعيون رائد يوم عودته من رحلته العلاجية في صورة التقطت في اللقاء الأخير؛ لعلها تترجم لي بعض مما أبحث عنه في هذه الرحلة وفي مشهد الرحيل الذي أجهش الجميع في معرض الوداع.. حمل تفاصيل رحلة خطها بسيرته العطرة.. سيرة شكلت لرائد حياة أخرى بعد الرحيل.. تستحق أن يُكتب عنها.
أمسكتُ بقلمي سافرت بين أهله وفي جنبات المخيم.. أزقته وحاراته التي أحبها وصنعت منه إنساناً جميلاً وراقياً.. أفتشُ بين صفحات رفاقه وصحبه؛ لعلي أكتب ما يليق عن هذه الحكاية.
عام مضى على الرحيل وما زال رائد حكاية المخيم التي لا تنتهي..
سلام يا صاحبي