بلا شك أن الشعب الفلسطيني تعرض ومازال يتعرض منذ عام 1936 إلى العبث السياسي حيث لم ترتقي الفئات السياسية الممثلة لهذا الشعب إلى مستوى تضحيات الشعب الفلسطيني وجسارة مقاتليه وقياداته العسكرية والميدانية.
ويبدو أيضا أن كل الأيقونات السياسية الفلسطينية والوطنية أصبحت ملتزمة أو غير قادرة على الخروج من مربعات وفكي اوسلو ومعطياتها وفرضياتها ونتائجها السياسية والإقتصادية والأمنية والثقافية تلك المفردات التي تتراوح فيها خطوات كل التيارات السياسية بما فيها الذي قدم الكثير للدولة الصهيونية وبلا فائدة وبلا جدوى على مدار عقود ومازال متمترسا في خياراته التفاوضية التي تؤجل ثم تؤجل أي إنجاز للشعب الفلسطيني ميداني وقتالي وطرف آخر المقاوم الذي أستدرج إلى مستنقعات تلك الاتفاقية التي ثار عليها ياسر عرفات في انتفاضة ال2000 وللأسف أتى من بعده من هم متمسكون بأدنى من تلك الاتفاقية التي طور فيها ياسر عرفات وبجهود ذاتية كي تكون تلك السلطة لها برلمان ولها مطار وميناء خطوة ومسار على التدريج الزمني لتطور الصراع.
لم تعد مطالب الشعب الفلسطيني الآن في حل الدولتين الذي أوئدته إسرائيل وعجز واضح وضعيف في أداء من يمثلون تلك السلطة سياسياً وعلى رأسهم الرئيس الفلسطيني محمود عباس الذي أعطى الإسرائيليين كل ما يريدوه أمنياً وجغرافياً على أمل أن يخلّد إسم هذا الرجل في لوحات جائزة نوبل للسلام أو قد بنى جزء لذاتية فلسطينية على أرض فلسطينية ولو كان ذلك تجاوزاً لآلاف الشهداء وهدم المنازل والاجتياحات والحقوق والتحول الثقافي للأجيال لكي تصبح فلسطين لها جارة على أرضها وعلى الجزء الكبير منها تسمى إسرائيل.
رغم هذا العطاء الذي تكرم به الرئيس الفلسطيني فرديا متجاوزا كل المؤسسات التي أصبحت إسم بلا فعل لكي يكون رجلا قويا في حين أن التاريخ سيقف كثيراً على ما قدمه هذا الرجل للاحتلال وما فتك به من سلوك ضد القوى الحية في فتح وسطحها وهمشها واستبدلها بقوى لا تعنيها الحقوق التاريخية وتنظر للوطن كما نظر له عباس وبدون أي ثمار حققها الشعب الفلسطيني سوى البطالة المقنعة والرواتب والتوظيف التي أصبحت عائلات غزة والضفة الغربية كلها في حالة وظيفية سواء الزوج مع الزوجة و الابن او الاخ في عملية تجفيف الانتاج وتحويل الشعب إلى طبقة من الكساد والتسول الدائم على مائدة الدول المانحة.
شيء محير فعلا أن تتحول كل أيقونات الشعب الفلسطيني إلى برامج آنية تتحدث عن قضايا معيشية مع الطرف الآخر سواء بمفاوضات مباشرة أو غير مباشرة فالمهم أن الجميع يصب في الماعون والاناء الذي رسمته أوسلو التي يبدو أنه من الصعب أن يخرج منها الشعب الفلسطيني في زمن قريب، والأدهى من ذلك أن يتحدث السياسيون والنخب والقادة الذين يمثلون الفصائل بأن تلك المطالب الآنية \"من رواتب ومطار ومنافذ بحرية وبرية بين غزة والضفة\" يسمح بها الاحتلال أن تتحول تلك المطالب بإسم كما يقال الشعب الفلسطيني، هم اختزلوا الشعب الفلسطيني بما هو موجود في الضفة الغربية وغزة، هكذا يعنيهم الأمر فلا يعنيهم الأمر لأكثر من 6 مليون لاجئ فلسطيني خارج الوطن، ولا يعنيهم الأمر لأكثر من مليون ونصف فلسطيني داخل فلسطين المحتلة عام 1948، فكيف تكون تلك المطالب الآنية هي مطالب الشعب الفلسطيني!، مطالب الشعب الفلسطيني يا سادة هو القناعة كما فرضتم بأن المقاومة هي الوسيلة الوحيدة لتحرير فلسطين ورفع السقف السياسي للمطالبة فكيف تكون المطالبة الآنية والمعيشية هي سقفا وطنيا للشعب الفلسطيني خارج الوطن وداخله.
في الحرب الأخيرة التي سميت \"العصف المأكول\" و\"حجارة السجيل\" التي تلت معارك مرتبة عام 2008 و2012 لم تخرج فيها المطالب السياسية عن سقفها المطروح في تلك الحرب المدمرة عام 2014 التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة، وبلا شك أيضا أن المقاومة قد حققت إنجازات كبرى يمكن أن تكون أرضية لبرنامج سياسي وطني تحريري وليس تمريري أو تبريري يمكن أن يكون تضحيات شعبنا والانتصارات الميدانية التي حققها مقاتلو فلسطين من كتائب القسام وشهداء الأقصى واللجان وسرايا القدس وأبو علي مصطفى أن تكون بلوكات ومربعات ترفع من السقف السياسي وتجهض مشروع أوسلو الذي أنهته إسرائيل ومازالت متمسكة به السلطة بل بالعكس وتحت مقولة الموقف الفلسطيني الموحد والوحدة الوطنية والوفد الموحد قد أختزلت المطالب الوطنية في مطالب معيشية كما طرحت أو كما طرحها الوفد المفاوض في المطالب الأربعة :\"مطار وميناء ورواتب ومنافذ وتسهيلات\" كلها مرتبطة بالرؤية الأمنية والاقتصادية للشيكل الاسرائيلي، وسؤال يطرح نفسه لمالذا صمتت السلطة عن المطالبة بالمطار والميناء على مدار عقدين...؟؟؟ هل اقنعت السلطة الان بعدم جدية اسرائيل لمنحها دولة وعمليا على الارض واصبحت تطالب بمخلفات اوسلو؟؟؟ بعد اختفاء منظور التفاوض للحل النهائي كالحدود وغيره من القضايا...؟؟؟ ام هي فرصة وجدتها لتجدد ثوبها المهتريء والفاشل على مدار عقود لتتلحف بما قدمه الشهداء من عطاء ليرجعوا لها مكاسبها المفقودة من اتفاق يعتبر اسوء من من وعد هرتزل وبلفور..؟؟؟ وهنا كيف نرتقي إلى مطالبنا الوطنية بعد معركة دمر فيها ثلث قطاع غزة واستشهد 2000 من شعب شباب فلسطين وأطفالها ونسائها وشيوخها، وحوالي 11000 جريح و2000 منزل مدمر، كيف نستثمر ذلك وهل من المعقول أن يكون سقفنا السياسي فقط تلك المطالب المعيشية هي رؤية بلير في حله الاقتصادي الأمني، ومن ثم بعد ذلك رؤية كيري وبوش، كان يمكن أن نرتقي في التحولات التي فرضتها المذابح الصهيونية في غزة على المجتمع الدولي ان نرتقي بمطالبنا الوطنية ولأن العالم في معظمة اقتنع أننا في مرحلة تحرير ودفاع عن النفس وعن استقلالنا الوطني، كان يمكن أن نسحب إعترافنا بأوسلو وبالتنسيق الأمني، وأن نعود إلى حل الدولتين مثلاً، وإلا لماذا نتمسك الآن سواء تيار أوسلو أو التيار المقاوم بكل مربعات أوسلو السياسية والأمنية في حين أن حل الدولتين قد فشل بتمدد إسرائيل فيما تسميه يهوذا والسامرة من تكريس وجودها حيث يستثني الرئيس الفلسطيني أي مقاومة لنفض اتفاق الخليل والمسجد الابراهيمي ويتحدث عن القدس وتقسيمها فكيف يمكن أن نحول البندقية والصاروخ والإنجاز التكنولوجي والعزم الذي حققه مقاتلينا على الأرض إلى إنجاز سياسي وإلا سيبقى الحال كما هو عليه منذ عام 1936 حيث لم يجد الفلسطينيون قيادة سياسية تعبر عن صموده وتقطف ثمار هذا الصمود وكذلك هو الحال في دول الاقليم العربي الذي عجزت أيضا عن تناول معطيات المشروع الصهيوني على الأرض الفلسطينية في بوتقة فاعلة فالفشل مركب وأعتقد مازلنا نعاني منه إلى حد هذا اليوم فلا مانع أن نطالب بمظلة أمان إجتماعية وثقافية وإقتصادية وأمنية ولكن يجب أن لا يفقدنا ذلك بوصلة التطلع لتحرير فلسطين، فماذا يعني أيضا أن تحول المطالب الوطنية للحل النهائي، وعن أي حل نهائي يتحدثون، وهل هناك أفق لحل نهائي بعد سقوط مشروع حل الدولتين والمبادرة العربية التي يتبناها محمود عباس وخارطة الطريق، وهل بقي شيء لكي يمثل دولة فلسطينية جغرافياً وخاصة في الضفة الغربية وهل إسرائيل أو الاحتلال مازال مقتنعا بعد ذلك بحل الدولتين؟، فإننا نعتقد أمام العنجهية الصهيونية والغباء الصهيوني أننا نسير إلى حل الدولة الواحدة ويجب أن يكون وضوح وافي ووافر من القوى الوطنية الفلسطينية التي قبلت بمطالب معيشية كحل وكسقف لمفاوضاتها فبهذا نستطيع أن نتجه إلى حل الدولة الواحدة وهذا سيفرض نفسه على واقع غباء السياسة الاسرائيلية وعجز السياسيين الفلسطينين في استثمار إرادة وصبر الشعب الفلسطيني.
وسؤال اخير : ماذا يعني النخالة نائب رئيس المكتب السياسي لحركة الجهاد عندما قال: لقد تركنا الحرب وراء ظهرنا...؟؟!! شيء محير حقا بل متجهات الى اين..؟؟