تاريخ النشر: 2025-12-14 | 12:20
تاريخ النشر: 2025-12-14 | 12:20
ترحل القامات الوطنية تاركة خلفها فراغًا أخلاقيًا ومعنويًا يصعب ملؤه، وحين يكون الراحل بحجم اللواء المناضل ناهض الجيوسي فإن الفقد يتجاوز حدود العائلة والتنظيم ليصيب الوجدان الوطني الفلسطيني في عمقه. الحديث عن هذا الاسم هو حديث عن جيل تشكّل وعيه في ميادين المواجهة، وترسخت قناعاته في خنادق الدفاع عن القرار الوطني المستقل، وحمل فلسطين قضية وهوية ومسؤولية تاريخية.
ناهض الجيوسي كان واحدًا من أولئك الرجال الذين صاغوا معنى الانتماء بالفعل لا بالشعارات، وكتبوا سيرة نضالية امتدت عبر محطات الثورة الفلسطينية المعاصرة، حيث شارك في معاركها دفاعًا عن المشروع الوطني، وحافظ على ثبات الموقف في زمن ازدحمت فيه التحولات والضغوط. حضوره كان هادئًا راسخًا، وصوته وازنًا، ومواقفه واضحة لا تحتمل التأويل.
عرفه رفاقه بدماثة الخلق ونبل السلوك، وبقدرة نادرة على الجمع بين الصلابة العسكرية والحكمة الإنسانية. لم يكن قائدًا في الرتبة فحسب، وإنما مرجعًا في الرأي ومثالًا في الشجاعة الأخلاقية، يختلف دون خصومة، ويثبت دون استعراض، ويمنح احترامه للجميع انطلاقًا من إيمانه بوحدة الصف وسمو القضية.
رحيل اللواء الجيوسي يأتي في لحظة فلسطينية بالغة القسوة، تتكاثر فيها محاولات كسر الإرادة الوطنية، وتستمر فيها جرائم الإبادة والتطهير بحق الشعب الفلسطيني أمام صمت دولي فاضح. في هذا السياق، يستحضر الفلسطينيون سيرة مناضل وطني كبير ليؤكدوا أن الذاكرة الحية أقوى من محاولات الطمس، وأن دروس الكفاح لا تغيب برحيل أصحابها.
إن نعي هذا القائد الكبير، هو شهادة تاريخية على دور رجل خدم وطنه بإخلاص، وظل وفيًا لقسمه حتى آخر العمر. التعازي التي تتجه إلى عائلة الجيوسي في الوطن والشتات تحمل معها امتنان شعب كامل لرجل أدى واجبه بشرف.
يرحل ناهض الجيوسي جسدًا، وتبقى سيرته جزءًا من السردية الوطنية الفلسطينية، وبوصلة أخلاقية للأجيال القادمة. في وداعه يتجدد العهد على التمسك بالحق، ورفض الهجرة القسرية، والمطالبة بالعدالة الدولية، ومحاسبة مجرمي الحرب. هكذا يودع الفلسطينيون كبارهم، وهكذا تبقى فلسطين حاضرة في وجدان من آمنوا بها حتى النهاية.