قد ينتشر الفساد في المجتمعات، إلا أن الرقابة والمساءلة والمحاسبة تعمل على الحد منه، حتى تلاشيه من المجتمع ومؤسسات الدول، إلا أن عدم المساءلة والمحاسبة تعطي فرصة للفاسدين من الإفلات من العقاب، ليتضخم لديهم بحكم مسانديهم وداعميهم الحق في تحويل سلوكهم لثقافة محصنة من العقاب .... بل وتصدر مراكز القرار.
فالمساءلة والمحاسبة من أهم الركائز التي تقوم عليها الدول الحديثة، بحيث لا يمكن ترسيخ آليات سيادة القانون أو تحقيق العدالة والمساواة بين المواطنين، في ظل غياب تلك الآليات التي تحاسب كل من يسيئ استخدام السلطة أو يستغل الوظيفة العامة لتحقيق مصالح شخصية، فالفساد الإداري والمالي والمؤسساتي يعد من أخطر التحديات التي تواجه المؤسسات العامة، وليس ذلك ناتج عن الخسائر الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي يسببها الفساد، بل لما يتركه من آثار عميقة على استقرار الدولة وثقة المواطنين بمؤسساتها، فعدم محاسبة الموظفين والمسؤولين المتورطين في قضايا فساد يضعف ويقوض هيبة ومبدأ سيادة القانون، كون القانون حينها يفقد قيمته عندما لا يطبق على الجميع دون استثناء وعندما يرى المواطن أن بعض الموظفين أو المسؤولين يفلتون من العقاب على فسادهم رغم ثبوت مخالفاتهم أو وجود شبهات جدية حولها، حينها تتراجع القناعة بأن العدالة تطبق بصورة متساوية ويترسخ الاعتقاد بوجود تمييز في تطبيق القانون.
كما أن غياب المساءلة والمحاسبة يسهم في ترسيخ تفافة الإفلات من العقاب وهي تفافة تشجع على تكرار الممارسات الفاسدة إذ يدرك بعض الموظفين والمسؤولين أن احتمالية تعرضهم للمساءلة أو العقوبة منخفضة مما يقلل من أثر الرادع القانوني والأخلاقي، ومع مرور الوقت قد تتحول هذه الممارسات إلى سلوك مؤسسي يصعب الحد منه، فيزداد انتشار الرشوة واستغلال المنصب والنفوذ وإهدار المال العام، وهو ما ينعكس سلبا على الأداء الحكومي وجودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
ومن شأن استمرار هذه الحالة أن يفهم على أنه تساهل مع الفساد، أو ضعف في إنفاذ آليات الرقابة والمساءلة، حتى وإن لم يكن ذلك هو المقصود، مما يؤدي بدوره إلى تعزيز نفوذ الفاسدين داخل المؤسسات العامة، وإضعاف مكانة الموظفين الملتزمين بقيم النزاهة والكفاءة والشفافية الأمر الذي يخلق بيئة عمل غير سليمة وغير عادلة ويؤثر في دافعية الكفاءات والإصلاح الإداري، ولا تقتصر آثار غياب المساءلة والمحاسبة على المؤسسات الحكومية بل تمتد إلى المجتمع بأكمله حيث تتراجع ثقة المواطنين بالدولة وأجهزتها، ويزداد الشعور بعدم العدالة كما تتأثر بيئة الاستثمار والتنمية الاقتصادية نتيجة ضعف الحوكمة وارتفاع مخاطر الفساد، لذلك تؤكد التجارب الدولية أن نجاخ جهود مكافحة الفساد تعتمد على وجود قضاء مستقل، وأجهزة رقابية فعالة، وشفافية في إدارة المال العام، وإدارة سياسية حقيقية لتطبيق القانون على الجميع دون استثناء.
إن مكافحة الفساد لا تأتي أو تتحقق بمجرد إصدار القوانين وإنما بتطبيقها بصورة عادلة وحازمة على جميع الموظفين والمسؤولين سواسية بغض النظر عن مناصبهم أو نفوذهم، فالمساءلة الفعالة تعزز سيادة القانون وتحمي المال العام وترسخ قيم النزاهة والشفافية وتسهم في استعادة ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة بما يدعم الاستقرار والتنمية ويعزز شرعية المؤسسات العامة.
فضعف أجهزة الرقابة وبطء الإجراءات القضائية أو إخفاء الأدلة من خلال التدخلات السياسية قد يبعث برسائل ويعطي قناعة بأن السلوك الفاسد مقبول ومتسامح معه مما قد يعزز نفوذ الفاسدين ويقوض ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة،
وفي النهاية عندما يصبح الفساد سلوكا مستمرا وممنهجا دون أي مساءلة وبدعم أو حماية من شخصيات أعلى ونافذة، فإنه وبكل تأكيد سيتحول لثقافة وقاعدة منتظمة لدى الفاسدين بأن فسادهم هو فعل طبيعي وأمر مباح من تحت إطار الوظيفة العامة، وما هو إلا استثمار خاص لا تشوبه السرقة أو الابتزاز متناسيا الناظم الوظيفي التي يحكم العلاقة ما بين الوظيفة والعمل الخاص بالإضافة لاستغلال حاجة الناس للخدمة دون إرهاق جيوبهم، ما يضعف بشكل كبير قدرة مؤسسات الدولة على أداء وظائفها، وهو ما يسهم في أزمات مؤسسية أو انهيار بعض مؤسسات الدولة وتدهورها إلا أن اجتماع الفساد مع الصراعات المسلحة والأزمات الاقتصادية وضعف الحوكمة والانقسامات السياسية سيؤدي لانهيار الدولة والمجتمع الذي سيتحمل المواطن المطحون فيها تبعات الفساد والفاسدين الذي ما زالوا يتلذذوا في معاناة المواطنين دون رادع أو وازع من ضمير لذلك فالمساءلة والمحاسبة وسيادة القانون في شأننا الفلسطيني تعد من أهم الوسائل للحفاظ على تماسك المجتمع وقوة واستقرار مؤسسات الدولة.