تاريخ النشر: 2015-12-12 | 23:31
تاريخ النشر: 2015-12-12 | 23:31
لاشك أن هناك علاقة مؤكدة بين الصحافة وحرية التعبير، لكنه من غير المؤكد أن كل صحافة يمكن لها أن تجسدّ أو تعبّر عن حرية التعبير؛ لذا كان اشتراط وجود الحرية أمراً ضرورياً لسلامة بنية العمل الصحافي من شبهات الفوضى والارتجالية والحزبية والعصبوية والعشائرية، لصالح إعلاء قيم المهنية المسؤولة التي تتعامل مع الإنسان باعتباره هدفاً للصحافة ، لا وسيلة لتطويل القامة أو توسيع البيت أو تضخيم الجيب0 إن الديموقراطية التي نطالب بتحقيقها كفاعلات وفاعلين في المجتمع المدني، وكان يجب أن تكون صحافتنا وإعلامنا جزءاً مهماً منه، وهما للأسف غير ذلك، ستظل مكتوفة الأيدى أمام تطاول أيادٍ سوداء كثيرة، لا علاقة لها بالعمل الصحافي، إلاّ من خلال المال أو السلاح، وهما للأسف الشديد أيضاً الأعلى سلطة ونفوذاً وحكماً في (بلادنا ) التي تشبه علبة الكبريت0
الصحافة، الديموقراطية، حرية التعبير، أيها يقود إلى الآخر، إيجاباً أم سلباً، وأيها يمكن له أن يضمن لغير الآمنين والآمنات أمثالي أن كلمته لن تقوده/ها إلى الخطف أو التشهير والاعتداء الجسدي، أو التهديد بالأبناء أو القتل غير الشريف 0 إنها الثالوث المدّنس، مرة باسم القانون، ومرة باسم الدين، ومرة باسم السياسة، ومرات لا حصر لها بقوة السلاح التي لانت أمامها النفوس والمباديء من أجل سلامة النفس الذي يتردد في الصدر، ولا أقول الحياة، لأن حياتنا لا حياة فيها0
معذورة جداً صحفنا، ومعذورون جداً صحافياتنا وصحافيونا، إن صمتوا أو انسحبوا أو تلونوا أو هجروا أقلامهم وكاميراتهم، أو استسهلوا عملهم فتخلوا عن رسالية المهنة مقابل سلامة البدن فلا قانون يحميهم /هن، ولا نقابة نقابية، ولا ثقافة مجتمعية يمكن لها أن تشكل حماية شعبية رافعة0 ومعذورون أكثر صحافيونا وصحافياتنا المحلييون/ات، فهم /نّ لا يحظونّ حظوة زملائهم وزميلاتهم في الصحافة العربية والأجنبية سحرية الحضور والسطوة والبريق0
إنّ تقليص حرية التعبير إلى حدها الآمن في بلادنا ، أصبح أحد ميكانزمات الدفاع عن الحق في الحياة لدى كل من صحفنا وصحافيينا وصحافياتنا، وإنّ أخشى ما أخشاه أن يتحول هذا الحد الآمن إلى جدار عزل يحتاج إلى تصاريح دخول إلى مناطق الجرأة والشجاعة ومكافحة الفساد وكشف المستور وتحطيم أصنام السياسة والدين والمجتمع.
حرية التعبير ليست قارورة عطر نرش به عفننا الداخلي، بديلاً عن كشفه وتعريته، وليست قناعاً نرتديه في مواسم الجفاف السياسي والإعلامي لنداري به بشاعة وجوهنا واستسلام عيوننا أمام تحنيط مشاهد الخراب الوطني والسياسي والاجتماعي والثقافي ليعلو صوت الفرد أمام صوت الجماعة ونبض السلاح أمام نبض الجماهير ونفاق السياسة أمام جوهر الوطن.
حرية التعبير هي حليتنا التي نتجمّل بها أمام مرآة خرابنا الكبير : غياب الوطن وغياب المواطن.