دلت الدراسات النفسية الحديثة على أن المرأة في معظم النواحي البدنية بخلاف القوة العضلية لا تختلف كثيرا عن الرجل بل قد تفوقه في بعض القدرات بما تنطوي عليه من شعور أكثر حساسية وتفوق في القدرة الحدسية وقد حدث في عصور التاريخ القديمة أن تبوأت المرأة مكانة اجتماعية ممتازة حينما تهيأت لها من ظروف حضارية معينة بل وصل الأمر الى حد انتساب الأبناء اليها وما كان يحدث هذا لولا ممارسة بعض الأعمال الهامة التي كانت تقوم عليها دعائم الحياة البدائية الأولى ... إن تطور الحياة الاجتماعية من مرحلة إلى أخرى وما ينشأ عن هذه المراحل من علاقات اجتماعية واقتصادية هو الذي يعجل باتخاذ موقف حاسم في قضية المرأة
والضرورة تقتضي اكتشاف قدرة الإنسان التي تقوم عليه بناء هذه العلاقات , وهنا يبدو المعني الحقيقي لمطلب حرية المرأة أي حينما تتيح لها التحولات الاجتماعية والاقتصادية في أي مجتمع نام وفق ظروف موضوعية الإنعتاق من حياة التحجر والتقوقع والأوهام والانتقال إلى حياة مكشوفة من خلالها تمنح المرأة الثقة والعلم والقدرة على العمل , فالحرية المطلوبة ليست مجرد حرية فردية للمرأة كإنسانة لها طموحات ورغبات ذاتية فقد تم لها ذلك وبنسب متفاوتة في بعض البلدان وارتفعت عن مستواها الدوني وأشبعت حاجاتها الضرورية , بل وقد أشبعتها في أنانية مفرطة في بعض الأحيان , لقد كان أحد مساوئ النظام الرأسمالي في الغرب الاستعماري هو طمس المعنى الحقيقي لمطلب حرية المرأة ففي الوقت الذي أشبه هذا النظام نزعة التحرر والانطلاق عند المرأة الغربية ونمى فيها روح الأنانية والركض وراء الموضة والتقليعات في الوقت الذي فعل ذلك منعها من المطالبة بحقوقها الاقتصادية وبطش بها وإهدار كرامتها حين تساوت مع الرجل تماما في عملية الاستغلال البشعة الذي يمارسها هذا النظام بأبشع صوره وقد كان من نتيجة هذا الاستلاب لحق المرأة إن قامت حركات نسائية ثورية أصبحت تعي مطالبها جيدا فلم تعد قضية المساواة مع الرجل في بعض الأشياء هي القضية الأكثر عدالة وإلحاحا فقد تم لها ذلك بل القضية التي أصبحت تناضل من حولها المرأة تتركز في رفع المظالم الاجتماعية التي يفرضها النظام الرأسمالي على الطبقات الفقيرة وعلى الرجل والمرأة سواء بسواء وبذلك تغير إلى حد بعيد مفهوم نضال المرأة الاجتماعي وأصبح بهذا المعنى الجديد جزءا من النضال السياسي والثوري الذي تخوضه بلدان العالم الثالث النامية ضد كافة القوى الرجعية والإمبريالية المعوقة لمراحل التحول الاجتماعي ..
غير أن هذا الوعي المتطور لنضال المرأة وحدوده يمكن أن يكون مقصورا على الطلائع النسائية المثقفة وهي التي لا تتميز عن بقية طلائع المجتمع الأخرى كالطلاب والشباب والشغيلة وهنا يبرز العامل الهام هذا العامل هو الذي يصل إلى إملاء هذا الوعي بمضمونه الاجتماعي التقدمي إلى جماهير النساء وتحريضهن على القيام بأنماط معينة من السلوك الحضاري على كافة الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التربوية والأخلاقية وصولا إلى مجتمع متحرر خال من الأوهام والعقد وكافة المشاكل الوجودية المزمنة .
أخيرا نقول في سياق الحديث عن الدور الحضاري للمرأة وفي مناسبة احتفاء العالم بعيد المرأة العالمي أن المرأة العربية والفلسطينية بصورة خاصة قامت بدورها الكبير في المجتمع على كافة الأصعدة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ولم تمنع المصاعب الاجتماعية وقسوة العادات والتقاليد من أن تقوم هذه المرأة بهذا الدور المشرف لذلك لا غرابة أن يقبع الكثير من النساء الفلسطينيات في سجون الاحتلال وتمارس وتمارس عليهن أبشع المعاناة اليومية ..
لقد انخرطت المرأة الفلسطينية في الأطر النقابية والجماهيرية والحزبية لمقاومة الاحتلال ولتحقيق المساواة مع الرجل في كافة الحقوق المدنية وللوقوف ضد سياسة التمييز رغم إدراكها لوضعها البيولوجي وجماهير النساء تشكل أكثر الفئات الاجتماعية عددا في مجتمعنا الفلسطيني وليس من المنطقي أن يبقى هذا الوجود الاجتماعي وهذا الانتشار الواسع محصورا في دائرة التزمت والتخلف الحضاري .. ومع استمرار النضال من أجل دحر الاحتلال وإقامة الدولة لابد من تجاوز العقبات التي تحول دون أن تأخذ المرأة مكانها الحقيقي باعتبارها تشكل نصف المجتمع فطريق تحقيق الديمقراطية داخل المجتمع يبدأ أولاً بتحقيق المساواة بين كافة الفئات الاجتماعية دون تمييز ..