الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

عن سؤال "الوقت" فى القضية الفلسطينية

عن سؤال "الوقت" فى القضية الفلسطينية

تاريخ النشر: 2018-05-26 | 10:01

القضية الفلسطينية، لا أراها فقط بالنسبة لمصر قضية أمن قومى فى الماضى والحاضر والمستقبل، لكنى أراها أيضاً كعروبى أحد فصول لعبة الأمم التى طالما أربكتنا واستنزفت قوانا. ثم أراها من منظور إنسانى نموذجاً لأعدل قضية فى التاريخ المعاصر. أناقش هنا مسألة الطرف المستفيد من عامل الوقت بين طرفى الصراع لأتساءل تُرى بعد خمسين عاماً من اليوم كيف سيكون مآل القضية الفلسطينية؟

منذ أيام بدا رئيس الوزراء الإسرائيلى نيتانياهو مبتهجاً وسعيداً فى حفل نقل مقر السفارة الأمريكية إلى مدينة القدس التى ما زالت توصف بالمدينة المحتلة بموجب أكثر من 170 قراراً دولياً، ولم يكن الرئيس الأمريكى ترامب صاحب قرار نقل السفارة اقل ابتهاجاً وهو يعلن أنه يوم عظيم. فى هذه الأثناء كان يسقط 62 شهيداً فلسطينيا ويجرح المئات حتى لحظة كتابة هذه السطور. هل يعنى هذا أننا نشهد لحظة الانتصار النهائى للمشروع الصهيونى فى الذكرى السبعين لنشأته وان عامل الوقت لن يكون إلا تأكيدا لهذه اللحظة؟ ربما يعتقد كثيرون أن عامل الوقت يمضى لصالح دولة الاحتلال بقدر ما يدفع بالحقوق الفلسطينية المشروعة إلى غياهب النسيان. مبررات هؤلاء عديدة إذ يرون مثلا أن معدلات حركة الاستيطان الإسرائيلى تكرس على الأرض وقائع جديدة يزيد الوقت من تداعياتها، وكذلك سياسات التهويد المتواصل التى تضعف بفعل الزمن الهوية الفلسطينية وتمحو ما تبقى من أدلة الوجود التاريخى للفلسطينيين الموغل فى جذوره على هذه الأرض.

إننى واحد من الذين يعتقدون أن التاريخ لم يقل كلمته النهائية بعد بشأن القضية الفلسطينية برغم حالة الابتهاج والصخب التى تعم إسرائيل هذه الايام . ما زالت هناك حقائق ومؤشرات تدل على أنه ليس يقينيا ولا نهائيا بعد أن الوقت يمضى لمصلحة دولة الاحتلال. وأتوقف بمنهج الاستقراء التاريخى ودلالة الأرقام عند الحقائق التالية.

أولا- إن النمو السكانى الفلسطينى سيكون يوما ما طال الزمن ام قصر هو أحد عناصر حسم الصراع أو بالحد الأدنى التأثير فى معادلاته. فقد تجاوز اليوم عدد سكان فلسطين التاريخية (6.5 مليون نسمة) عدد السكان اليهود (6.3 مليون نسمة) وهو الأمر المقلق الذى ناقشه الكنيست الإسرائيلى فى جلسة عاصفة مؤخراً. بالطبع يشكك الإسرائيليون فى دقة أرقام جهاز الإحصاء الفلسطينى لكن حتى بفرض وجود نسبة اختلاف لن تزيد على 5% فى كل الأحوال فالمؤكد وفقاً لتقرير حقائق العالم الذى تصدره المخابرات الأمريكية أن معدَل النمو السكانى لدى فلسطينيى الداخل (الضفة الغربية وغزة) يصل إلى 2.8٪ بينما يبلغ فى إسرائيل 1.7 ٪ مؤدى ذلك على امتداد العقود القليلة المقبلة أن يصبح السكان اليهود فى فلسطين أقلية عددية لن يجدى معها فكرة الدولة الواحدة وستجد إسرائيل نفسها يوماً ما مجبرة على قبول حل الدولتين الذى ترفضه الآن. أهمية الحقائق السكانية أنها لا تولّد كالفئران أعداداً فقط لكنها تخلق ثم ترسخ على الأرض حقائق بشرية واجتماعية وسياسية وثقافية وأمنية وتاريخية لا يمكن التعامل معها بالإنكار والتجاهل ولإسرائيل فى جنوب إفريقيا عظةٌ وعبرة (!) لقد جرّبت دولة الاحتلال الإسرائيلى كل ما فى جعبتها وخيالها بحق الشعب الفلسطينى من ممارسات القتل والتشريد والاعتقال والحصار وجدران الفصل العنصرى وما زال الفلسطينيون أحياء يتناسلون ويعيشون ويقاومون ويستشهدون. سبق لإسرائيل أن ارتكبت منذ عام 1948 أكثر من سبعين مذبحة قتلت فيها نحو 15 ألف فلسطيني، وقامت بتشريد نحو 800 ألف فلسطيني، ودمرت 531 قرية فلسطينية، ويوجد اليوم فى سجون دولة الاحتلال نحو سبعة آلاف أسير فلسطينى بينهم نساء وأطفال فماذا كانت النتيجة؟ ما زال هناك شعبٌ فلسطينى مقاوم ملتصق بالأرض بذاكرة حية يشيّع الشهيد لينجب مشروع شهيد جديد، وزاد عدده من 1.4 مليون نسمة فى عام النكبة إلى 6.5 مليون نسمة اليوم، وتأكد لدولة الاحتلال أن كل ما فعلته اسرائيل لم يكسر إرادة شعب الجبارين كما كان يصفه الزعيم الفلسطينى الراحل ياسر عرفات.

ثانياً- أصبح الطابع النخبوى للشعب الفلسطينى حقيقة يمكن تلمسها برغم كل ما يتعرض له تحت سلطة الاحتلال من قمع واضطهاد وإفقار. يكفى أن نعرف وفقاً للأرقام أن نسبة الأمية لدى الفلسطينيين تقل عن 1% لدى الشباب ولا تزيد على 1.2% لدى شريحة 30-44 عاماً وهى من أفضل النسب العالمية. وأن نسبة الالتحاق بالتعليم الثانوى تبلغ 87.1٪ بينما تصل فى العراق الى 51٪، وقطر 85٪، ولبنان 82٪، وتركيا 82٪، وباكستان 33٪. أما معدل التعليم الجامعى فيسبق بدوره لدى الفلسطينيين دولاً عربية وغير عربية كثيرة.

بوسع إسرائيل أن تبتهج وتتغطرس معتقدةً- بزهو نقل بعض الدول سفاراتها إلى القدس- أن التاريخ قد قال كلمته وأغلق كتابه. لكن دهاء التاريخ طالما قلب صفحاته فى وجوه الجميع. والتاريخ لا يفعل ذلك خبط عشواء لكن استجابةً لحقائق تبدو ساكنة ثابتة بينما هى تتفاعل ببطء شديد وتتراكم مع (الوقت). يمكن لإسرائيل بحكم قوتها العسكرية والتكنولوجية أن تواجه بعض هذه التفاعلات وأن تضبط أو تجهض حركتها، لكن هناك تفاعلات أخرى تتم بمعزل عنها بما يستحيل عليها (بالمعنى العلمى للاستحالة) أن تلغيها أو حتى تتوقعها. على رأس هذه الحقائق وجود الشعب الفلسطينى ليس كمجرد حقيقة ديموجرافية عددية ولكن كشعب له جذوره الموغلة وهويته التاريخية التى تجسّدها الشواهد الماثلة ليل نهار المربكة للحسابات الإسرائيلية. فبرغم سياسة حصار وإفقار وإذلال الشعب الفلسطينى لم تستطع إسرائيل أن تلغى وعيه وإرادته. «الوعي» الفلسطينى نوعى بل نخبوي، حين نعلم مثلاً أن معدلات الالتحاق بالتعليم الجامعى لدى الفلسطينيين هى من أعلى المعدلات ليس فقط على الصعيد الإقليمى بل الدولي. فمن بين كل مائة فلسطينى (فى الشريحة العمرية 18-25 سنة) يلتحق 46 بالجامعات. أما ظاهرة «الإرادة» فقد جعلت من الفلسطينيين الشعب الأكثر بسالةً وعناداً وتضحيةً فى العالم كله على مدى السبعين عاماً الأخيرة.

ثالثاً: تعوّل إسرائيل كثيراً على تواطؤ (الحكومات) الغربية معها، وتلك حقيقة، لكنها بنشوة الشعور بالهيمنة تغفل دور (الشعوب) والقوى المجتمعية والمؤسسات الحقوقية والأهلية والأوساط الأكاديمية التى لم تعد تحتمل تجاهل ما يحدث بحق الفلسطينيين. دعوات المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل فى تنام يزعجها كثيراً، وترفض بعض الدول استيراد منتجات زراعية من مستوطناتها، وتنأى دولٌ غربية بنفسها عن السياسة الأمريكية المنحازة لإسرائيل، ويصحّح الوعى الأوروبى نفسه بمرور (الوقت) فأصبح يفصل بين إحساسه بالذنب عما اقترفه من جرائم إبادة بحق اليهود وبين ما ترتكبه سلطة الاحتلال العنصرى بحق الفلسطينيين. ثمة بزوغ لضمير إنسانى متعاطف مع القضية الفلسطينية يتعمّق مع كل جريمة جديدة ترتكبها إسرائيل ويمهد لرأى عام شعبى قد لا تستطيع الحكومات الغربية نفسها تجاهله. كان فى التصويت الأخير للجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن قرار الإدارة الأمريكية نقل مقر سفارتها إلى القدس ما يجب أن يقلق إسرائيل برغم أنها حاولت إظهار بهجة مصطنعة وكاذبة. فباستثناء أربع دول لا يكاد أحد يعرف اسمها أو موقعها على الخريطة تكون خمس دول فقط هى التى صوّتت لمصلحة إسرائيل مقابل 128 دولة فى العالم ما زالت ترى فيها سلطة احتلال مارقة على قواعد الشرعية الدولية. ومثلما كان يتردد فى مقتبل تسعينات القرن الماضى أن نظام الفصل العنصرى فى جنوب إفريقيا يمضى ضد حركة التاريخ فالكلام نفسه يقال اليوم ضد إسرائيل وقد أصبحت نموذج «الأبارتايد» الوحيد المتبقى على سطح الأرض.

تتصوّر دولة الاحتلال الإسرائيلى أن عامل (الوقت) يمضى لمصلحتها بالنظر لحالة الإسلاموفوبيا التى تسود العالم وصورة العرب كرجل العالم البغيض الذى لا يطيقه ولا يعبأ بمظالمه أحد. لكن هذه الصورة الذهنية السلبية عن العرب والمسلمين لا يمكن لإسرائيل المراهنة عليها طوال الوقت، ثم إنها لا تنسحب بالحتم على الحالة الفلسطينية لا سيّما أن السجل الإسرائيلى أصبح مشيناً ومتخماً بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية فى مواجهة انتفاضة الفلسطينيين. هذه الانتفاضة التى دعت يوماً زوجة رئيس البنك المركزى الأوروبى إلى قيامها برفع علم فلسطين على شرفة منزلها فى أمستردام منذ سنوات فى واقعة عميقة المغزى والدلالة.

رابعاً: لعل أعقد سيناريو يمكن بفعل عامل (الوقت) أن يواجه دولة الاحتلال الإسرائيلى مستقبلاً هو فرضية تكرار ما حدث فى عام 2011، وهو الكابوس الذى سبق لإسرائيل أن عاشته لشهور مرت عليها كالدهر حتى كان ما كان فتنفست الصعداء. هذه الفرضية، وبرغم انتفاء أى مؤشرات حالية تنبئ بها، لا تعنى فقط أنه لن يكون بوسع إسرائيل أن تزهو بكونها الديمقراطية الوحيدة فى المنطقة كما تباهت أخيراً بمناسبة قرار مجلس حقوق الإنسان فى جنيف بإرسال لجنة تحقيق دولية فى مجزرة الضفة الغربية، ولكنها ستعنى أيضاً تهاوى حلمها فى قيادة المنطقة العربية أمام دول ناجحة ومتقدمة وقوية.

خامساً: هناك ستة ملايين فلسطينى عاشوا عبر عشرات السنين مع محتليهم برغم محاولة التقوقع داخل المستوطنات وخلف جدران الفصل العنصري. هذا يعنى أنه ليس أكثر من الفلسطينيين معرفةً ودرايةً بدخائل الشخصية الإسرائيلية عقلياً وسلوكياً ونفسياً ومزاجياً، وهذا بذاته سلاح كامن يمكن بفعل عامل (الوقت) والمتغيرات أن يمنحهم ميزة «اعرف عدوك» بكل ما يترتب على هذه الميزة من فوائد. كل العرب الآخرين لا يعرفون عن «الإسرائيلي» سوى ما تتيحه القراءات والمعلومات واللقاءات العابرة، أما التعامل اليومى المباشر فأمر آخر وميزة أخرى لا تتوافر إلا لفلسطينيى الداخل، كما لو أنهم يعيشون تحت جلد «الإسرائيلي» يعرفون نقاط ضعفه وثغراته واختراقاته المخبوءة تحت وهم العدو الذى لا يُقهر. وفى وقت ما، بعد ثلاثين أو خمسين أو مائة عام سيعيد الفلسطينيون قراءة القصيدة/ النبوءة للشاعر الراحل محمود درويش «أيها المارون بين الكلمات العابرة»!

عن الاهرام

×
أخبار
"الجزيرة" تُنهي خدمات 24 صحفياً وعاملاً في غزة بالتزامن مع دعوى قضائية أمام المحاكم الأمريكية غوتيريش يأسف لرفض أمريكا منح مسؤولين فلسطينيين تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة سنتكوم: تغيير مسار 105 سفن تجارية منذ استئناف الحصار على إيران مسؤول: أزمة حدود سبتة تعزز صعود اليمين المتطرف في أوروبا السجون الفيدرالي الأمريكي يضع شرطا قبل زيارة رودريغيز لمادورو في سجنه باكستان تؤكد "المضي الى أبعد مدى" في الدفاع عن السعودية صحيفة تتساءل: صمت "حماس" على الاغتيالات التزام بالهدنة أم فقد لقدرة الرد؟ القرن الأفريقي ساحة تنافس جديدة: النفوذ المتكامل لتركيا يقابله الحسابات البحرية لإسرائيل خبراء ودبلوماسيون: السعودية تعيد رسم عقيدتها الأمنية دون التخلي عن "المظلة الأمريكية" إصابات وتوغلات متصاعدة جنوبي لبنان وسط استمرار الخروقات لـ"اتفاق صيغة الإطار" سجال حول انحياز "نيويورك تايمز": الصحيفة تعتذر وتعدل مقالا حول قتلى 7 أكتوبر الشيخ يطالب بروكسل بالضغط على إسرائيل لتسهيل الانتخابات واحتجاز «المقاصة» تقرير: 3 سيناريوهات ترسم مستقبل المواجهة السعودية-الحوثية تصعيد ميداني واعتداءات للمستوطنين وقوات الاحتلال تطال محافظات الضفة والقدس الجامعة العربية ترحب بالقرار الأممي بشأن مشاركة دولة فلسطين في أعمال الجمعية العامة مركز "عدالة" يرد على طلبات شطب القوائم والنواب العرب وعوفر كسيف من انتخابات الكنيست شهيد وإصابات في خروقات إسرائيلية متواصلة بغزة وارتفاع ضحايا المباني الآيلة للسقوط شهادات ضباط إسرائيليين تكشف جرائم الذكاء الاصطناعي والنهج المتعمد لقتل مدنيي غزة مقررون أمميون: حظر 12 دولة التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية خطوة متأخرة بالاتجاه الصحيح ميرتس: لقد انتهى عهد الصداقة الأوروبية "غير المشروطة" مع الولايات المتحدة استطلاع: 71 % من الأمريكيين لا يثقون برؤية ترامب لإنهاء حرب إيران قطر تعلن توقيع اتفاقية مع الأمم المتحدة لإدخال نحو 1.3 مليون لتر من الوقود إلى قطاع غزة استطلاع: تراجع كبير لحزب نتنياهو الليكود وآيزنكوت يتقدم ..والقوائم العربية هي الحسم صفعة أممية لأمريكا..تصويت عالمي في الجمعية العامة لصالح حضور وفد فلسطين ف.تايمز: قائد الجيش الباكستاني منير يحث إيران على كبح الحوثيين باكستان تنسحب من اللعب مع إسرائيل في أولمبياد الشطرنج  تضامناً مع الفلسطينيين ترامب: أقترب من قرار حاسم بشأن الحرب مع إيران وقضاؤنا على النظام وارد النقابة: الصحفيون المرضى والمصابون في غزة يعانون ظروفا قاسية ويحتاجون إلى إجلاء طبي للعلاج قرار إسرائيلي بحظر وصول المزارعين الفلسطينيين لحقول الزيتون المصنفة "أراضي دولة" تحليل: حرب فبراير 2026 عززت موقع إيران الإقليمي وكشفت حدود القوة الأمريكية-الإسرائيلية

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط