تاريخ النشر: 2018-07-31 | 16:34
تاريخ النشر: 2018-07-31 | 16:34
ربما لم تكن صفعة عهد التميمي لجندي الاحتلال أول صفعة فلسطينية للوجه الاحتلالي البشع، لكنها كانت الأبلغ والأشد تأثيرا لأنها كسرت الصمت المعيب في زمن التسوية المذلة، وهي بذلك تشبه الطلقة الأولى للثورة التي كسرت الصمت العربي والدولي في زمن العجز والتواطؤ مع المحتل.
بين الطلقة والصفعة أزمان كثيرة اشتعلت بالثورة والصمود قبل أن يتم حرف البوصلة والجنوح إلى السلام البائس مع الغزاة والتنسيق الأمني مع مجرميهم، حتى توهم العدو ورعاته بأن الفلسطينيين تغيروا وصاروا جميعا أسرى لواقعهم تحت الاحتلال. لذا كان لا بد من صفعة توقظ الواهمين وتبدد أحلامهم بالقدرة على تحقيق سلام البساطير.. وقد فعلت عهد ذلك بكفها الفلسطينية الصغيرة المحناة بتراب أرض الأنبياء الصالحين.
لا أبالغ في وصف الصفعة، لكنني أتابع، بحكم الاهتمام والمهنة، أثر هذه الصفعة التي جعلت من صاحبتها أيقونة فلسطينية للشجاعة والكرامة الوطنية، وقدمت إلى العالم وجهنا الانساني المقاوم، نقيضا للوجه التسووي الذليل في قاعات التفاوض ومؤتمرات الياقات السياسية البيضاء، ونقيضا للوجه الظلامي المعتم الذي يتآمر على حاضرنا ومستقبلنا في الزوايا وفي الخلايا التكفيرية التي احتلت مساجدنا.
حققت عهد بكفها الصغيرة حضورا فلسطينيا بهيا، ليس في المحافل الدولية فقط، ولكن في مجتمعات قريبة وبعيدة تحترم حق الانسان في الحياة وفي الحرية، واستطاعت هذه الثائرة الصغيرة أن تنجز بصفعة واحدة ما لم يستطع الإعلام الفلسطيني والعربي أن ينجزه في سنوات طويلة كان فيها شعبنا يواجه القمع ويغص بالقهر من التعتيم الإعلامي المحكم الذي يحول دون كشف جرائم الاحتلال.
وحظيت قضيتها باهتمام تجاوز حدود المتعاطفين أصلا مع حقنا في الحرية، وزينت صورتها شاشات التلفزة العالمية بلا استثناء، فدخلت، ومعها قضيتنا، إلى كل البيوت في كل البلاد.
هذه حقيقة، وليست خيالا يترجم أمنية ذهنية. لذا نجاهر بالإعجاب بهذه الثائرة الصغيرة التي تربت في بيت فلسطيني ثائر، تحت جناح أب وأم لا يقبلان الذل ولا الهوان، وعرفت منذ طفولتها المبكرة أن المقاومة ليست حقا فقط، بل فريضة على الفلسطيني والفلسطينية في قرية النبي صالح وكل أرض الأنبياء الصالحين التي شاء الله أن تكون فلسطين.
ولهذا أيضا من حقنا أن ننفعل وأن نغضب عندما يتطوع التافهون من القوم لانتقاد عهد وصفعتها، والتشكيك بدوافعها، والانخراط في حملة موجهة لتجميل الوجه الاحتلالي، والطعن في جدوى المقاومة وجدية الصمود والاعتداء اللفظي على الفتاة الثائرة بما يجرح الروح الفلسطينية ويثير الاشمئزاز مما وصلت إليه رعونة البعض في قنوات احترفت استضافة رموز الاحتلال وساسته وحركات امتهنت التخلف باعتباره ورعا وتقوى.
من هؤلاء مذيع الجزيرة فيصل القاسم الذي اعتبر اعتقال عهد ثمانية شهور "مسرحية رديئة"، وهو بذلك ربما يحاول أن يساعد صديق الجزيرة أفيخاي أدرعي الناطق باسم جيش الاحتلال في دفاعه عن جرائم الاحتلال بحق كل أطفال فلسطين وأهلها الصابرين.
ومن هؤلاء أيضا شيخ فلسطيني ظلامي كتب داعيا عهد إلى ارتداء الحجاب والزواج من أجل الستر! ولم يدرك المعتوه المفضوح أن هذه الثائرة الصغيرة تغطي رأسها بسماء البلاد التي تحب، وتحقق إنسانيتها بصمودها في وجه الاحتلال التوراتي بعكس مخمرات داعش اللواتي يتعالجن وأزواجهن الإرهابيين في المستشفيات الإسرائيلية.
عهد أيقونة ثورية وتميمة فلسطينية.. وفي بلادنا عهود كثيرة ترفع أكفها في وجوه الاحتلال وتتحدى في زمن الخنوع، وتكسر الصمت المعيب، وتنقي هواء فلسطين من ملوثات الاحتلال وشركائه وأدواته الصدئة في يمين الخريطة.
وهي مثل كل بناتنا لا تحتاج إلى تحية بالعبرية الفصحى من مذيع، ولا إلى دعاء توراتي من شيخ ظلامي عائب.